في خضم التغيرات السياسية والثقافية التي تشهدها منطقة البلقان، يبرز الاستشراق الصربي كأداة أيديولوجية معقدة ذات أبعاد تتجاوز مجرد البحث المعرفي. هذا التوجه، الذي يركز على تصوير “الآخر” وتبرير الهيمنة، له جذور تاريخية عميقة وتأثير مستمر على المنطقة. يهدف هذا المقال إلى استكشاف طبيعة هذا الاستشراق، وأهدافه، وتداعياته على المجتمعات في يوغوسلافيا السابقة.
أكد الدكتور ميرزا سارايكتش، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة سراييفو، في حوار مع الجزيرة نت أن الاستشراق الصربي ليس مجرد تكرار للاستشراق الغربي، بل هو ظاهرة متجذرة في ضرورات جيوسياسية خاصة بالبلقان. ويوضح أن هذا الاستشراق يعمل كأداة خطابية وأيديولوجية لتبرير سياسات معينة تجاه المسلمين في المنطقة.
تاريخ الاستشراق الصربي وأهدافه
تعود أصول الاستشراق الصربي إلى القرن التاسع عشر، حيث بدأ المثقفون الصرب في بناء “معرفة” عن الجيران المسلمين، غالبا ما تم تصويرهم على أنهم بقايا الإرث العثماني الذي يمثل تهديدا للهوية الوطنية الصربية. فقد سعى هذا الخطاب إلى تبرير طموحات الدولة الصربية في التوسع والسيطرة على الأراضي التي كانت ذات يوم جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تطور الخطاب ليشمل تصوير المسلمين كـ”آخر” حضاري، مع اتهامات بالتخلف والتعصب والعدوانية. هذه الصورة النمطية، وفقًا للدكتور سارايكتش، كانت تهدف إلى نزع الشرعية عن وجود المسلمين في يوغوسلافيا، وتبرير سياسات الإقصاء والتمييز ضدهم. تعتبر الهوية القومية الصربية وثيقة الصلة بالدين المسيحي الأرثوذكسي، مما أدى إلى اعتبار الإسلام تهديدًا لهذا الأساس.
أدوات الاستشراق الصربي
استخدم المستشرقون الصرب مجموعة متنوعة من الأدوات لتحقيق أهدافهم، بما في ذلك الكتابات الأكاديمية، ووسائل الإعلام، والخطابات السياسية، وحتى النصوص الدينية. تم تصوير المسلمين في هذه المصادر على أنهم “كائنات بلا روح”، و”ذوو طبيعة خادعة”، و”جهاديون يتربصون بغزو أوروبا”. لقد تم تضخيم الخصائص السلبية وتجاهل أي مساهمات إيجابية من المجتمعات المسلمة.
إضافةً إلى ذلك، لعبت المؤسسات الرسمية، مثل الكنيسة الأرثوذكسية الصربية، دورًا مهمًا في نشر هذه الأفكار وتكريسها في الوعي العام. وقد ساهم ذلك في خلق مناخ من الخوف والعداء تجاه المسلمين، مما أدى إلى تفاقم التوترات العرقية والدينية في المنطقة. وتم استخدام التاريخ المفبرك لخلق تنافر مجتمعي.
التحول في الاستشراق الصربي بعد يوغوسلافيا
مع تفكك يوغوسلافيا في التسعينيات، وصل الاستشراق الصربي إلى ذروته. فقد استخدم كأداة لتبرير العنف والإبادة الجماعية التي استهدفت المسلمين في البوسنة وكوسوفو. وقد شهدت مذبحة سريبرينيتسا عام 1995، حيث قتل أكثر من 8000 رجل وفتى مسلم، خير دليل على هذا التحول المأساوي. وقد ساهمت الخطابات التي شيطنت المسلمين في تهيئة الظروف المواتية لارتكاب هذه الجرائم.
لم يتوقف تأثير هذا الاستشراق بعد انتهاء الحروب. فقد استمر في الترويج لأفكار تفصل بين المجتمعات وتعيق جهود المصالحة. ويرى الدكتور سارايكتش أن هذا الاستشراق لا يزال يمثل تهديدًا وجوديًا للمجتمع البوسني، حيث يهدف إلى تقويض هويته وثقافته وأهدافه السياسية.
الاستشراق الصربي في العصر الحديث
على الرغم من التغييرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على صربيا، إلا أن الاستشراق الصربي لم يختف تمامًا. بل تطور ليأخذ أشكالًا جديدة وأكثر دقة. ففي الوقت الحاضر، غالبًا ما يتم التعبير عن هذه الأفكار من خلال خطاب الأمن، والتحذيرات من “التهديد الإسلامي”.
وتجد هذه الخطابات صدى لها في بعض وسائل الإعلام والأوساط السياسية، مما يعزز من الصورة النمطية السلبية عن المسلمين. تُركز بعض الخطابات على الهجرة واللاجئين، مع تصويرهم على أنهم مصدر للمشاكل الاجتماعية والأمنية. ومع ذلك، هناك أيضًا أصوات معارضة داخل المجتمع الصربي تسعى إلى تفكيك هذه الأفكار وتعزيز التفاهم والتعاون بين المجتمعات المختلفة.
يبدو أن الخطاب المستمر وربما يتصاعد في المستقبل المنظور. وتشكل تصريحات بعض المسؤولين الصربيين ومواقفهم بشأن قضايا مثل الإبادة الجماعية في سريبرينيتسا مؤشرًا على ذلك. كما أن الدعم الذي تحظى به الجمعيات القومية المتطرفة يساهم في استمرار هذا الخطاب. يبقى مستقبل البلقان معلقا، ويعتمد بشكل كبير على قدرة المجتمعات على تجاوز الماضي وبناء مستقبل قائم على الاحترام المتبادل والتسامح.













