في حوار مُعمّق، تُثار تساؤلات جوهرية حول دور المثقف العربي، وشرعية صوته في التعبير عن قضايا الأمة، وذلك من خلال رؤية الشاعرة والكاتبة الكويتية الدكتورة سعاد الصباح. هذه الرؤية التي تمتد عبر عقود من الإبداع، تتناول تحولات المنطقة والمجتمع، وتؤكد على أهمية الشعر كضمير حي للأمة، حتى في أحلك الظروف، وتقدم الصباح منظوراً فريداً حول علاقة الأدب بالواقع السياسي.
الحديث مع الدكتورة سعاد الصباح، يكشف عن مسيرة إنسانية وثقافية غنية، بدأت من جذورها القبلية لتصل إلى فضاء أوسع من المعاناة المشتركة مع الكويتيين والعرب. استعادت الصباح ذكريات فقدان الزوج، وتحولات المنطقة، ومآسي إنسانية متعددة، بما في ذلك الأحداث الجارية في غزة، وكيف ساهمت هذه التجارب في تشكيل رؤيتها الفنية والاجتماعية.
دور المثقف في زمن التحولات السياسية والاجتماعية
تؤكد الدكتورة سعاد الصباح أن الشاعر لا يُمنح التفويض للتعبير عن الآخرين، بل يأتي هذا التفويض من الألم، والوعي، والصدق. فهي ترى أن هذه العوامل هي التي تمنح الشاعر الحق في التحدث باسم من لا صوت لهم، مثل المرأة، والمهمشين، والذين يعانون في صمت. الألم والوعي والصدق هي مفاتيح التفويض الأخلاقي، وليست تراتبية اجتماعية أو انتماءات عائلية.
وبالنسبة لعلاقة الشعر بالتحولات السياسية، تشبه الصباح القصيدة بالمرآة التي لا تكتفي بعكس الصورة، بل تعيد ترتيب الضوء حولها. فهي ترى أن القصيدة تتأثر بالأحداث الجارية، وتتغير بتغير الظروف، لكن جوهرها يظل ثابتاً في التعبير عن الحقيقة والدفاع عن الإنسانية. التحولات السياسية ليست مجرد أخبار، بل هي زلازل روحية تهز وجدان الشاعر وتؤثر في لغته وإيقاعه.
الشعر والفقد
تعتبر الدكتورة سعاد الصباح قصيدتها “في طائرة الموت” الأقرب إلى قلبها. وتشرح أن الفقد علّمها دروساً قيمة عن معنى الحياة، وقيمة الإنسان، وأهمية الذكريات. فالفقد ليس مجرد خسارة، بل هو تجربة تحولية تصقل الروح وتعمق الإحساس. هذا الفقد انعكس على كتاباتها، وجعلها أكثر صدقاً وعمقاً وتأثيراً.
المرأة والشعر
تعبيراً عن رؤيتها لقضايا المرأة، ترى الصباح أن الشعر يمكن أن يكون منبراً للدفاع عن حقوقهن، ومحاربة التمييز ضدهن. وتؤكد أن المرأة ليست كياناً واحداً، بل هي مجموعة متنوعة من النساء، لكل منهن تجاربها ومشاعرها الخاصة. وهذا التنوع يظهر في أشعارها، التي تتناول قضايا المرأة من زوايا مختلفة. يشير البعض إلى وجود اختلافات في تناول هذه القضايا عبر مسيرتها، إلا أنها تعتبر ذلك تطوراً طبيعياً لرؤيتها المتجددة.
تأسيس دار سعاد الصباح للنشر
أما عن تأسيس “دار سعاد الصباح للنشر”، فتقول إنه جاء انطلاقاً من إيمانها بأهمية دعم الثقافة العربية، وتشجيع الأصوات الجديدة. وترى أن الدار تلعب دوراً هاماً في إحياء الأدب العربي، وتقديم أعمال متميزة للقراء. الدكتورة الصباح تسعى من خلال الدار إلى توفير منصة للأدباء والمفكرين، وتقديم أعمالهم للعالم.
الأحداث الجارية في غزة وتأثيرها على الإبداع
تؤثر الأحداث الجارية في غزة بشكل كبير على الدكتورة سعاد الصباح، وعلى إبداعها. فهي ترى أن غزة ليست مجرد صراع سياسي، بل هي مأساة إنسانية تتطلب منا جميعاً أن نتوقف ونتأمل. هذه المأساة انعكست على أشعارها، التي تعبر عن الغضب والألم والأسى. وترى أن دور الشاعر هو أن يحفظ أصوات الضحايا من النسيان، وأن يذكر العالم بمعاناتهم.
وتختتم الدكتورة سعاد الصباح بالقول بأن الأمم لا تموت، بل تمرض وتشفى. وتؤكد أن النهضة العربية تبدأ من الإنسان، من حريته، ومن وعيه. ودور المثقف هو أن يضيء الطريق للأجيال القادمة، وأن يلهمهم بالقيم الإنسانية النبيلة. يُنتظر أن تشهد الساحة الأدبية والفنية العربية المزيد من الإبداعات من الدكتورة سعاد الصباح، خاصة مع استعدادها لإقامة أول معرض تشكيلي لأعمالها، مما يؤكد على تعدد مواهبها وقدرتها على التعبير عن رؤيتها الفنية والإنسانية من خلال وسائل مختلفة. ولا يزال النقد البناء يرافق أعمالها، ويشكل دافعاً للتجديد والتطوير.













