عندما نتخيل الدم، نتخيل اللون الأحمر، هذا اللون يأتي أساسًا من جزيئات “الهيموغلوبين” داخل خلايا الدم الحمراء والتي تحمل الأكسجين. لكن اكتشاف أسماك بلا دم، أسماك القطب الجنوبي الجليدية والآن سمكة النودلز الآسيوية، يثير تساؤلات حول ضرورة الهيموغلوبين في الحياة. هذا الاكتشاف غير المتوقع يعيد النظر في العمليات البيولوجية الأساسية.
فقد اكتشف العلماء مؤخرًا سمكة آسيوية تُعرف باسم “سمكة النودلز” تعيش في مياه شرق آسيا الدافئة نسبياً، وهي تفتقر إلى الهيموغلوبين وخلايا الدم الحمراء تمامًا مثل أسماك القطب الجنوبي. هذا الاكتشاف، الذي نُشر في دورية “كارنت بيولوجي”، يوفر فرصة فريدة لفهم كيف يمكن للكائنات الحية أن تتكيف مع البيئات القاسية بطرق غير تقليدية.
أسماك بلا دم: لغز التكيف البيولوجي
لطالما كانت أسماك القطب الجنوبي الجليدية لغزًا للعلماء، فهي تعيش في المياه الباردة الغنية بالأكسجين حول القارة القطبية الجنوبية، مما يسمح لها بامتصاص الأكسجين مباشرة من الماء. ومع ذلك، فإن اكتشاف سمكة النودلز، التي تعيش في بيئة دافئة نسبيًا، يشير إلى أن غياب الهيموغلوبين قد يكون له أسباب أخرى غير مجرد توافر الأكسجين.
يعتقد الباحثون أن سمكة النودلز، نظرًا لدورة حياتها القصيرة جدًا – حوالي عام واحد – تحتفظ بخصائص يافعة طوال حياتها. في العديد من الأسماك، تكون الكائنات اليافعة قادرة على امتصاص الأكسجين بكفاءة أكبر بسبب صغر حجمها ورشاقتها.
كيف تعوض هذه الأسماك عن غياب الهيموغلوبين؟
غياب الهيموغلوبين لا يمر دون آثار جانبية. فبالرغم من كفاءة امتصاص الأكسجين، إلا أن خلايا الجسم قد تتلقى كمية أقل من الأكسجين مقارنة بالأسماك التي تمتلك الهيموغلوبين. ووفقًا للدراسة، تعوّض سمكة النودلز عن هذا النقص من خلال عدة آليات.
أولاً، لديها شبكة أوعية دموية أكثر كثافة ودقة، مما يقلل المسافة التي يجب أن يقطعها الأكسجين من الدم إلى الخلايا. ثانياً، تمتلك قلبًا أكبر وأقوى يضخ كمية أكبر من الدم في الدقيقة، مما يزيد من تدفق الأكسجين إلى الأنسجة على الرغم من انخفاض تركيز الأكسجين في كل قطرة دم.
التطور البيولوجي والظروف البيئية
يشير هذا الاكتشاف إلى أن التطور البيولوجي يمكن أن يسلك مسارات متعددة للتكيف مع الظروف البيئية المختلفة. حيث أن وجود الهيموغلوبين ليس شرطًا مطلقًا للحياة، ويمكن للكائنات الحية أن تتطور لتعويض غيابه بطرق أخرى. وهذا يتحدى الفهم التقليدي لعمليات البيولوجيا الأساسية.
بالإضافة إلى ذلك، يسلط الضوء على أهمية دراسة التنوع البيولوجي في البيئات المختلفة، حيث يمكن أن تكشف عن آليات تكيف غير متوقعة قد يكون لها تطبيقات في مجالات مثل الطب والهندسة الحيوية. ويعتبر علم وظائف الأعضاء (Physiology) مجالًا حيويًا لفهم هذه التكيفات.
الآثار المترتبة على فهمنا للحياة
هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام المزيد من الأبحاث حول كيفية عمل هذه الأسماك، وما هي التغييرات الجينية التي سمحت لها بالتكيف مع غياب الهيموغلوبين. قد تساعد هذه الأبحاث في فهم أفضل لأمراض الدم لدى البشر، وتطوير علاجات جديدة.
كما أنه يذكرنا بالتنوع المذهل للحياة على كوكب الأرض، وقدرة الكائنات الحية على التكيف مع البيئات القاسية. ففي حين أننا قد نميل إلى افتراض أن هناك طريقة واحدة “صحيحة” لوجود الحياة، إلا أن هذه الاكتشافات تُظهر أن هناك العديد من الطرق المختلفة للنجاح.
الخطوة التالية المتوقعة هي إجراء المزيد من الدراسات الجينية والفسيولوجية لسمكة النودلز، لتحديد الآليات الدقيقة التي تسمح لها بالعيش بدون هيموغلوبين. من المتوقع أن تستغرق هذه الأبحاث عدة سنوات، وقد تكشف عن معلومات جديدة حول تطور جهاز الدوران لدى الأسماك بشكل عام. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من الأسئلة مفتوحة، وسيتطلب الإجابة عليها تعاونًا دوليًا وجهودًا بحثية مستمرة.













