لم يعد مفهوم العائلة في الدراما المعاصرة بنية ثابتة أو نموذجًا مكتمل الملامح، بل تحوّل إلى سؤال مفتوح على الاحتمالات والقلق وإعادة التعريف. وفي هذا الإطار، يندرج مسلسل “سنجل ماذر فاذر” (SMF) بوصفه محاولة غير تقليدية للاقتراب من المناطق الرمادية في العلاقات الأسرية، حيث لا أبطال خارقون ولا أدوار جاهزة، بل شخصيات عادية عالقة بين أعباء مفروضة، وعواطف غير محسومة، ومسارات لم تكتمل بعد. المسلسل، الذي يعرض حاليًا على منصة “شاهد”، يطرح تساؤلات حول الأبوة والأمومة في سياق اجتماعي متغير، ويستكشف ديناميكيات العلاقات بعد الانفصال.
منذ حلقاته الأولى، يعلن العمل انحيازه للإنسان قبل الحبكة، وللتفاصيل اليومية الصغيرة قبل الذروة الدرامية الصاخبة. لا يسعى المسلسل إلى افتعال الجدل، بقدر ما يراكم الأسئلة: ماذا يعني أن تكون أبا أو أما في غياب الشريك؟ وهل تكفي النوايا الحسنة لتعويض الفقد؟ وكيف تتشكل الهوية العاطفية للطفل داخل منظومة أسرية لا تنتمي إلى القالب التقليدي؟ العمل يركز على الواقعية النفسية للشخصيات، مما يجعله مختلفًا عن العديد من الأعمال الدرامية الأخرى.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
“سنجل ماذر فاذر”: نظرة إلى تعقيدات العلاقات الأسرية
تدور أحداث المسلسل حول أم وأب منفصلين، يجمعهما طفل وحيد، ويفرق بينهما تاريخ طويل من سوء الفهم والخذلان والقرارات المؤجلة. لا يقدم العمل حكاية انفصال نمطية، بل يذهب أبعد من لحظة الفراق، متتبعًا ما بعدها: محاولات التعايش، إعادة رسم الحدود، والبحث عن صيغة إنسانية لتربية طفل في عالم بالغ القسوة والتشظي. هذا التركيز على ما بعد الانفصال يميز المسلسل عن غيره.
الأداء التمثيلي والحوار
يتسم الأداء التمثيلي في “سنجل ماذر فاذر” بالواقعية، حيث يجسد كل من شريف سلامة وريهام عبد الغفور شخصياتهما ببراعة. سلامة يتقن تجسيد دور الأب المنكسر، بينما تقدم عبد الغفور صورة الأم القوية التي تخفي وراءها هشاشة كبيرة. الحوار في المسلسل طبيعي وحيوي، ويعكس الصراعات الداخلية للشخصيات بصدق وشفافية، مما ساهم في نجاح العمل.
ورغم بعض الانتقادات الموجهة لأداء بعض الممثلين في بعض المشاهد، إلا أن الحوار القوي والسيناريو المحكم قد لعبا دورًا كبيرًا في إنقاذ الموقف. الحوار يمثل نقطة قوة رئيسية في المسلسل، ويساهم في تعميق فهمنا للشخصيات ودوافعها.
تامر نادي وتفكيك النماذج التقليدية
يمثل هذا العمل عودة للمخرج تامر نادي، الذي يواصل استكشاف مواضيع العلاقات الإنسانية المعقدة. نادي واضع في العمل على تقديم رؤية جديدة للعائلة، بعيدًا عن النماذج التقليدية والمثالية. يتناول “سنجل ماذر فاذر” قضايا الأبوة والأمومة في العصر الحديث، والتحديات التي تواجه الأسر غير التقليدية، كما يتطرق إلى مواضيع مثل المسؤولية العاطفية، والتضحية، والبحث عن السعادة.
يتميز أسلوب نادي الإخراجي بالبساطة والتركيز على التفاصيل الإنسانية. يعتمد على اللقطات القريبة والإضاءة الطبيعية لخلق جو من الواقعية والتصديق. التركيز على الوجوه وتعبيرات الجسد يساعد المشاهد على التعاطف مع الشخصيات وفهم مشاعرهم.
التأثير المحتمل للمسلسل على النقاش المجتمعي
من المتوقع أن يثير مسلسل “سنجل ماذر فاذر” نقاشًا مجتمعيًا واسعًا حول قضايا الأسرة والعلاقات. قد يساهم العمل في كسر بعض الصور النمطية عن الأمهات والآباء المنفصلين، وتسليط الضوء على التحديات التي يواجهونها. بالإضافة إلى ذلك ، يمكن أن يشجع المسلسل على التفكير بشكل أكثر عمقًا في مفهوم العائلة، وما يعنيه أن تكون جزءًا منها. إعادة تعريف دور الأب والأم في سياقات غير تقليدية هو موضوع هام يطرحه العمل.
بشكل عام، يقدم “سنجل ماذر فاذر” تجربة درامية هادئة ومؤثرة، تتناول قضايا إنسانية مهمة. من المرجح أن يستمر المسلسل في جذب المشاهدين والثناء النقدي حتى الحلقة الأخيرة، وأن يترك أثرًا إيجابيًا على النقاش المجتمعي حول قضايا الأسرة.
مع انتهاء عرض الحلقات الأخيرة من المسلسل في نهاية شهر يونيو 2026، يتوقع المتابعون تفاعلًا أكبر من منصة “شاهد” مع الأعمال الدرامية التي تتناول قضايا اجتماعية حساسة. من غير المؤكد حتى الآن ما إذا كان سيتم إنتاج جزء ثانٍ من المسلسل، ولكن النجاح الذي حققه حتى الآن قد يشجع الشركة المنتجة على التفكير في ذلك. سهولة الوصول إلى الأعمال الدرامية عبر المنصات الرقمية تعتبر عاملًا أساسيًا في زيادة تأثيرها.













