كشفت أعمال تنقيب أثرية في مدينة سيدرا القديمة، الواقعة في قضاء ألانيا بولاية أنطاليا جنوبي تركيا، عن أدلة قوية على أن المدينة كانت مركزًا رئيسيًا لـإنتاج زيت الزيتون في العصور القديمة. وقد وثق علماء الآثار وجود أكثر من 100 معصرة زيتون داخل حدود المدينة، مما يسلط الضوء على أهمية هذا المنتج الزراعي في اقتصاد المنطقة وتاريخها.
تتميز سيدرا بتاريخ غني يعود إلى ثلاثة آلاف عام، حيث شهدت حضارات متعددة بما في ذلك الهلنستية والرومانية والبيزنطية والسلجوقية. هذا التنوع الحضاري يجعل الموقع فريدًا لفهم التطور الاقتصادي والاجتماعي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، ويؤكد على دور زيت الزيتون كعنصر أساسي في الحياة اليومية والتجارة.
دور سيدرا في إنتاج زيت الزيتون
أكد رئيس البعثة الأثرية، الدكتور إرتوغ إرغورر، أن معاصر الزيتون هي من بين أبرز الاكتشافات التي تمت خلال عمليات الحفر. ويشير هذا العدد الكبير إلى أن إنتاج الزيتون كان واسع النطاق ومنظمًا للغاية في سيدرا القديمة.
حتى الآن، تم الكشف عن حوالي 20 معصرة زيتون بشكل كامل، مع توثيق أكثر من 100 معصرة أخرى موزعة في أنحاء المدينة. وهذا يرجح أن الإنتاج تجاوز احتياجات السكان المحليين، وأن زيت الزيتون كان سلعة تجارية مهمة.
النمط المعماري وطريقة الإنتاج
وفقًا للدكتور إرغورر، تميزت المباني السكنية في سيدرا بوجود طابقين أو ثلاثة طوابق. وكانت الطوابق السفلية مخصصة للورش والمعاصر، بينما كانت الطوابق العليا تُستخدم للسكن. وهذا التخطيط الحضري الفريد يدل على تكامل إنتاج زيت الزيتون في الحياة اليومية للمدينة.
أضاف الدكتور إرغورر أن وجود المعاصر داخل النسيج العمراني للمدينة يختلف عن العديد من المواقع الأثرية الأخرى، حيث عادة ما توجد معاصر الزيتون خارج الأسوار. هذا يشير إلى أهمية خاصة لإنتاج الزيتون في سيدرا.
شبكة التجارة المتوسطية
يشير الاكتشاف إلى أن سيدرا لم تكن مجرد مركز لإنتاج زيت الزيتون، بل كانت أيضًا جزءًا من شبكة تجارية واسعة في البحر الأبيض المتوسط. خلال القرن الرابع الميلادي، شهدت الإمبراطورية الرومانية الغربية اضطرابات أدت إلى انتقال النشاط الاقتصادي إلى منطقة الأناضول.
وشهدت سيدرا في تلك الفترة زيادة في إنتاجها الزراعي، بما في ذلك زيت الزيتون، والذي كان يُصدر عبر ميناء “آدا طاش” إلى مناطق أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتوفرت في سيدرا الأواني الفخارية الخاصة بتخزين ونقل الزيت، مما يؤكد على قدرتها على تلبية الطلب الخارجي.
يُعتقد أن الإنتاج كان موجهًا بشكل كبير للتصدير، وليس للاستهلاك المحلي فقط، بناءً على عدد المعاصر الكبير مقارنة بعدد السكان. وهذا يعكس أهمية النشاط التجاري في ازدهار المدينة.
تتضمن المعصرة المكتشفة أيضًا وعاء تخزين كبير، يُعرف باسم “بيثوس” (Pithos)، والذي كان يستخدم لتجميع زيت الزيتون بعد عصره. يساهم هذا الاكتشاف في فهم أفضل لعملية إنتاج وتخزين الزيت في العصور القديمة.
الخطوات المستقبلية
تواصل الفرق الأثرية أعمالها في تجهيز مسارات الزيارة وتنظيم المناطق المخصصة لاستقبال الزوار في مدينة سيدرا. ومن المتوقع أن يتم فتح الموقع بالكامل للجمهور في المستقبل القريب، مما سيتيح للزوار فرصة استكشاف تاريخ المدينة ومعرفة المزيد عن صناعة زيت الزيتون القديمة. ومع استمرار البحث والتنقيب، قد تظهر المزيد من الاكتشافات التي تثري فهمنا لدور سيدرا في الاقتصاد والثقافة القديمة.













