ألبرتا – تشهد العلاقات بين كندا والولايات المتحدة توترًا ملحوظًا، يُعتبر تحولًا كبيرًا في تاريخ التعاون الثنائي بين الجارين. بعد عقود من الشراكة الوثيقة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وصلت الخلافات إلى مستويات غير مسبوقة، مدفوعة بشكل أساسي بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التجارية وتصريحاته الاستفزازية المتكررة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الكندية الأمريكية.
وتفاقمت هذه التوترات خلال منتدى دافوس الأخير، حيث ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا لاقى استحسانًا دوليًا واسعًا، ووصف بأنه من أبرز الخطابات السياسية في المنتدى. أشار كارني إلى وجود “تشقق” في النظام العالمي القائم على القوانين والذي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب وردود فعل حادة.
أطماع ترمب في كندا وتداعياتها
رد ترمب على خطاب كارني بتصريحات اعتبرها الكثيرون مهينة، مشيرًا إلى أن كندا “تعيش بفضل” الولايات المتحدة. أضاف ترمب أن كندا يجب أن تكون ممتنة للدعم الأمريكي، في حين أكد كارني أن قوة كندا تنبع من وحدة شعبها وطموحه وعدالته، وليس من الاعتماد على دولة أخرى.
وقبل انعقاد منتدى دافوس، كرّر ترمب تصريحاته المثيرة للجدل بشأن كندا، بطرح فكرة ضمها لتصبح “الولاية رقم 51”. نشر ترمب خرائط معدلة تظهر العلم الأمريكي يغطي كندا وغرينلاند وفنزويلا، مما أثار غضبًا واسعًا في كندا ودول أخرى.
ويرى الدكتور عاطف قبرصي، أستاذ الاقتصاد في جامعة ماكماستر، أن هناك أسبابًا واقعية وراء هذا التحول في موقف ترمب. كندا دولة واسعة وغنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والمعادن والمياه العذبة، التي تشكل أكثر من 30% من إجمالي المياه العذبة في العالم.
وأضاف الدكتور قبرصي أن سعي ترمب للسيطرة على هذه الموارد، بالإضافة إلى التغيرات المناخية وتزايد نفوذ الصين، قد يكونان وراء هذا الاهتمام المتزايد بكندا.
التحولات الاقتصادية والسياسية في العلاقات بين الدولتين
أما الدكتور هاني فارس، أستاذ العلوم السياسية، فيرى أن من الصعب تحديد ما يريده ترمب بالضبط من كندا، نظرًا لعدم استقرار مواقفه وتغيرها المستمر. قد يكون ترمب يسعى إلى إظهار قوته والتأثير على السياسات الكندية، أو قد يكون لديه أهداف أكثر طموحًا تتعلق بالسيطرة على الموارد الطبيعية أو توسيع النفوذ الأمريكي.
وتشير تقارير إعلامية، مثل تقرير نشره موقع ديلي بيست، إلى أن ترمب يعتبر كندا هدفًا جديدًا ضمن استراتيجيته لتوسيع النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي. ويستند هذا الاهتمام إلى قلق ترمب بشأن ما يصفه بـ”ضعف الدفاعات الكندية” في القطب الشمالي، مما قد يفتح الباب أمام تغلغل خصوم واشنطن.
وتشكل الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الكندي، حيث تمثل حوالي 70% من إجمالي الصادرات. تشمل هذه الصادرات منتجات الألمنيوم والنحاس والسيارات والمعادن والطاقة والأخشاب.
ويحذر الخبير في الشؤون الاقتصادية الأمريكية، محمد بويصير، من أن ترمب مستعد لفعل أي شيء من أجل تحقيق أهدافه، بما في ذلك إلحاق الضرر بالعلاقات مع الحلفاء التقليديين. ويشير بويصير إلى أن ترمب قد يسعى إلى فرض تعديلات جوهرية على اتفاقية التجارة الحرة بين الدول الثلاث (كندا وأمريكا والمكسيك) أو حتى التهديد بإلغائها، مما قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد الكندي.
تأثير التوترات على الاقتصاد الكندي
ويؤكد خبراء اقتصاديون على ضرورة تنويع الأسواق التصديرية لكندا وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. يجب على الحكومة الكندية العمل على إيجاد بدائل جديدة للصادرات الكندية وتعزيز مرونة الاقتصاد الكندي في مواجهة التحديات المحتملة.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على كندا تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، مثل دول الاتحاد الأوروبي ودول آسيا، لتقليل نفوذ الولايات المتحدة وزيادة خياراتها الاقتصادية والسياسية.
مستقبل التعاون الكندي الأمريكي
من المتوقع أن تشهد العلاقات الكندية الأمريكية مزيدًا من التوتر في الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب موعد مراجعة اتفاقية التجارة الحرة بين الدول الثلاث. سيكون من المهم مراقبة تطورات هذه المفاوضات وتقييم تأثيرها على الاقتصاد الكندي.
كما سيكون من المهم متابعة تصريحات ترمب وتحركاته، وتقييم مدى جديته في تهديداته ضد كندا. في ظل هذه الظروف، يجب على كندا أن تكون مستعدة لمواجهة أي تحديات محتملة وأن تعمل على حماية مصالحها الوطنية.













