نابلس – لم يتمكن الصحفي والأسير المحرر مجاهد بني مفلح (35 عامًا) من الاستمتاع بحريته إلا ليوم واحد، قبل أن يصاب بنزيف دماغي حاد أدى إلى فقدانه الوعي، مما استدعى نقله الفوري إلى المستشفى وإخضاعه لعملية جراحية عاجلة. هذه الحادثة تسلط الضوء على التدهور الصحي الذي يعاني منه العديد من الأسرى الفلسطينيين بعد الإفراج عنهم، وتثير تساؤلات حول ظروف الاعتقال والإهمال الطبي المتعمد الذي يمارس بحقهم.
بني مفلح، الذي اعتقل قبل ستة أشهر، كان يتمتع بصحة جيدة قبل اعتقاله، لكنه عاد بوزن أقل بحوالي 25 كيلوغرامًا، ويعاني من آثار صحية ونفسية عميقة. وتأتي هذه الحادثة في سياق تقارير متزايدة عن تدهور صحة الأسرى المحررين، مما يثير قلقًا بالغًا لدى العائلات والمؤسسات الحقوقية.
ظروف الاعتقال والإفراج القاسي
وصف شقيق مجاهد، عبد الله بني مفلح، ظروف الإفراج عن أخيه بأنها قاسية، مشيرًا إلى أنه تم تركه في العراء لمدة خمس ساعات تقريبًا في طقس بارد، مرتدياً ملابس خفيفة وحذاءً بلا جوارب. وأضاف أن مجاهد كان يرتجف بشدة وغير قادر على التحدث بوضوح عند الإفراج عنه، مما يشير إلى صدمة جسدية ونفسية كبيرة.
ويرجع عبد الله هذا التدهور إلى ظروف الاعتقال الصعبة، بما في ذلك الضرب المبرح الذي تعرض له مجاهد في الأيام الأولى من اعتقاله، والذي تركز على منطقة الصدر. وبحسب روايته، أظهرت الفحوصات الطبية وجود “تشوه خلقي” في أحد شرايين الدماغ، مما أدى إلى تسرب ونزيف نتيجة ارتفاع ضغط الدم الشديد.
الإهمال الطبي كسياسة
هذه الحادثة ليست منفردة، حيث تشير تقارير إلى أن الإهمال الطبي المتعمد هو سمة بارزة في سجون الاحتلال. الصحفي سامر خويرة، الذي أفرج عنه مؤخرًا، أكد انتشار الأمراض الجلدية مثل السكابيوس (الجرب) بسبب قلة النظافة والاكتظاظ. وأشار إلى أن العلاج المقدم للأسرى غالبًا ما يكون غير كافٍ، وأن الوصول إلى العيادة يتطلب إجراءات معقدة.
وأضاف خويرة أن الأسرى يعانون من مشاكل صحية مزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وأن ظروف السجن تزيد من تفاقم هذه المشاكل. كما أشار إلى أن الإدارة الإسرائيلية غالبًا ما تتجاهل طلبات الأسرى للحصول على الرعاية الطبية اللازمة، مما يعرض حياتهم للخطر.
تأثير الاعتقال على الصحة النفسية
بالإضافة إلى المشاكل الصحية الجسدية، يعاني الأسرى من مشاكل نفسية حادة نتيجة للظروف القاسية التي يتعرضون لها. يشير عبد الله بني مفلح إلى أن أخيه كان يتأثر بشدة بقصص معاناة الأسرى الآخرين، وخاصةً شهادة الأسير أحمد طزازعة الذي توفي بسبب الإهمال الطبي.
ويؤكد خبراء في مجال الصحة النفسية أن الاعتقال المطول والتعذيب والإذلال يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات نفسية خطيرة مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. ويحتاج الأسرى المحررون إلى دعم نفسي متخصص لمساعدتهم على التغلب على هذه المشاكل والاندماج في المجتمع.
تزايد المخاوف من الإهمال الطبي
تتزايد الدعوات الدولية والمحلية للتحقيق في مزاعم الإهمال الطبي في سجون الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. وتطالب المؤسسات الحقوقية بتوفير الرعاية الطبية اللازمة لجميع الأسرى، وضمان حقوقهم الأساسية وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
وحسب بيانات هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، فقد ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 324 شهيدًا، بينهم 87 أسيرًا بعد السابع من أكتوبر 2023، نتيجة للتعذيب والإهمال الطبي. وتشير هذه الأرقام إلى خطورة الوضع الصحي للأسرى، والحاجة الماسة إلى تدخل عاجل لإنقاذ حياتهم.
من المتوقع أن تستمر المؤسسات الحقوقية في توثيق حالات الإهمال الطبي في السجون، وتقديمها إلى المحاكم الدولية. كما من المحتمل أن تشهد الأيام القادمة تصعيدًا في الاحتجاجات والتحركات الشعبية المطالبة بتحسين أوضاع الأسرى، وضمان حقوقهم في الرعاية الصحية والعيش الكريم. يبقى الوضع الصحي للأسرى الفلسطينيين قضية ملحة تتطلب اهتمامًا ومتابعة مستمرين.













