الكثير من الكويتيين يحتفظون بذاكرة حية تحكي قصصًا وأحداثًا من تاريخ البلاد، قبل التحولات الكبيرة التي شهدتها منذ الخمسينيات. من بين هؤلاء، يبرز اسم عبدالرحمن الدعيج، الذي عاش حقبة زمنية مختلفة وشهد تطور الكويت، وهو ابن المحسن عبدالعزيز محمد الدعيج، المعروف بعطائه وكرمه، وصاحب سبيل الدعيج الشهير. هذه المادة الصحفية تسلط الضوء على تاريخ هذه العائلة ودورها في المجتمع الكويتي، مع التركيز على إرث المحسن عبدالعزيز الدعيج وسبيله الخيري.
تاريخ عائلة الدعيج وإرثها في الكويت
تعود جذور عائلة الدعيج إلى منطقة الشماسية بالقرب من عنيزة في السعودية، حيث وُلد عبدالعزيز محمد الدعيج عام 1840. انتقل عبدالعزيز مع عائلته إلى الكويت، حيث بدأ حياته التجارية في “سوق بن دعيج”، الذي أسسه ابن عمه محمد العلي الدعيج عام 1857. كان هذا السوق مركزًا تجاريًا هامًا يلبي احتياجات السكان المتنوعة في ذلك الوقت، وشهد ازدهارًا كبيرًا بفضل جهود التجار من عائلة الدعيج.
بالإضافة إلى ذلك، كان الشيخ عبدالرحمن العلي الدعيج، ابن عم عبدالعزيز، من أوائل المعلمين في الكويت، وشارك في تأسيس المدرسة المباركية عام 1917. وقد ترك الشيخ عبدالرحمن بصمة واضحة في مجال التعليم، وتخرج على يديه العديد من الشخصيات البارزة في الكويت، بمن فيهم بعض أفراد أسرة آل صباح الكريمة. تكريمًا لجهوده، أُطلق اسمه على مدرسة في منطقة الصباحية عام 1963.
بدايات المحسن عبدالعزيز الدعيج
بدأ عبدالعزيز الدعيج حياته العملية بالتجارة في سوق بن دعيج، حيث حقق نجاحًا ملحوظًا وتراكمت ثروته تدريجيًا. كان يتميز بالأمانة والنزاهة في تعاملاته التجارية، مما أكسبه ثقة واحترام المجتمع. وقد اشتهر بقيمته العالية في التعاملات التجارية، حيث رفض الاستفادة من ارتفاع أسعار السلع، مفضلاً الالتزام بالاتفاقات المبرمة، كما يروي ابنه عبدالرحمن.
على الرغم من نجاحه التجاري، لم ينسَ عبدالعزيز الدعيج مساعدة المحتاجين والفقراء. بدأ بتقديم الماء للمارة في الأيام الحارة، ثم تطورت الفكرة إلى بناء سبيل ماء دائم في السوق، والذي أصبح فيما بعد رمزًا للكرم والعطاء في الكويت. هذا سبيل الدعيج لم يكن مجرد مكان لتوفير المياه، بل كان نقطة التقاء اجتماعية يعكس روح التكافل في المجتمع الكويتي.
سبيل الدعيج: رمز الكرم والتكافل
يعود تاريخ بناء سبيل الدعيج إلى عام 1876، عندما قرر عبدالعزيز الدعيج تحويل فكرة قديمة تراوده منذ الطفولة إلى واقع ملموس. بدأ بوضع بعض القوارير من الماء أمام منزله، ثم استبدلها بحِبّ كبير، قبل أن يبني السبيل الدائم في السوق. أصبح السبيل وقفًا خيريًا يخدم جميع المحتاجين، بغض النظر عن جنسياتهم أو خلفياتهم الاجتماعية.
وفقًا لروايات ابنه عبدالرحمن، كان السبيل يمثل نقطة جذب للناس القادمين من الصحراء والقرى المجاورة، الذين كانوا يتوقفون فيه لإرواء عطشهم. كما كان السبيل مكانًا للراحة والاستجمام، حيث كان الناس يجتمعون فيه لتبادل الأحاديث والقصص. وقد زاره العديد من الشخصيات الهامة في الكويت، بمن فيهم الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي ذكر أنه شرب من مياه السبيل في شهر رمضان.
لم يقتصر عطاء عبدالعزيز الدعيج على بناء سبيل الماء، بل امتد ليشمل تقديم المساعدة المالية والعينية للفقراء والمحتاجين، وحل النزاعات بين الناس. كان يتمتع بسمعة طيبة في المجتمع، وكان يُعرف بحكمته وعدله. وقد كان الشيخ سالم المبارك الصباح، حاكم الكويت آنذاك، يستعين به في حل بعض القضايا الاجتماعية والخلافات.
الأوقاف الخيرية والإرث العائلي
ترك عبدالعزيز الدعيج العديد من الأوقاف الخيرية التي كانت تُستخدم في مساعدة الأقارب والفقراء والمحتاجين. كان ابنه عبدالرحمن يتولى الإشراف على هذه الأوقاف بعد وفاة والده، ويقوم بتوزيع المساعدات على المستحقين. وقد ذكر عبدالرحمن أن والده كان يوزع كميات كبيرة من الطعام خلال شهر رمضان، تصل إلى عشرة آلاف كيس من الأرز والسكر، بالإضافة إلى آلاف العلب من السمن.
بالإضافة إلى ذلك، كان لدى عبدالعزيز الدعيج العديد من العقارات والأموال التي تركها لأبنائه وأحفاده. وقد قام عبدالرحمن بإدارة هذه الأموال والعقارات بحكمة وعناية، وحافظ على إرث والده من الضياع. وفي النهاية، قام بتسليم سُبل الماء إلى وزارة الأوقاف الكويتية، حرصًا على الحفاظ عليها وتقديم خدماتها للمجتمع.
تاريخ عائلة الدعيج يمثل جزءًا هامًا من تاريخ الكويت الاجتماعي والاقتصادي. فمن خلال تجارتهم وأعمالهم الخيرية، ساهموا في بناء المجتمع الكويتي وتطويره. سبيل الدعيج، كرمز للكرم والعطاء، سيظل شاهدًا على إرث هذه العائلة العريقة.
من المتوقع أن تستمر وزارة الأوقاف الكويتية في الحفاظ على سُبل المياه التاريخية، بما في ذلك سبيل الدعيج، وتطويرها لتلبية احتياجات المجتمع الحديث. كما يُتوقع أن يتم توثيق تاريخ عائلة الدعيج وإرثها في الكتب والمؤلفات التاريخية، لكي يبقى هذا الإرث حيًا في ذاكرة الأجيال القادمة. يجب متابعة جهود وزارة الأوقاف في هذا المجال، والعمل على تعزيز الوعي بأهمية هذه المعالم التاريخية.













