في تطور مفاجئ هزّ الأوساط السياسية والاقتصادية، استيقظت فنزويلا في الثالث من يناير 2026 على وقع انفجارات في العاصمة كراكاس، أعقبها إعلان الولايات المتحدة عن عملية عسكرية واسعة النطاق أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. يأتي هذا الإجراء في ظل تصاعد التوترات بشأن مستقبل النفط الفنزويلي، وتأثير ذلك على أسواق الطاقة العالمية، حيث يمتلك هذا البلد أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم.
وقد أثارت هذه الخطوة ردود فعل متباينة على الصعيد الدولي، مع تأكيد واشنطن على أن العملية تهدف إلى استعادة الاستقرار الديمقراطي في فنزويلا، بينما وصفت كراكاس ما حدث بأنه “عدوان إمبريالي خطير” يهدف إلى السيطرة على مواردها النفطية. انتشرت القوات العسكرية حول القصر الرئاسي وأعلنت حالة الطوارئ القصوى، بينما سارعت الأسواق إلى تقييم التداعيات المحتملة.
تداعيات الهجوم على أسواق النفط العالمية
على الرغم من الأهمية الجيوسياسية للحدث، يبدو أن أسواق الطاقة قد استوعبت الهجوم بشكل أولي أكثر هدوءً مما كان متوقعًا. تشير التقديرات الأولية إلى أن الأثر السعري المباشر سيكون محدودًا، وذلك بسبب عوامل متعددة، بما في ذلك حالة فائض المعروض العالمي، وزيادة إنتاج دول أوبك الأخرى.
ومع ذلك، يرى خبراء أن الوضع أكثر تعقيدًا من مجرد تأثير فوري على الأسعار. فقد أوضح جيوفاني ستاونوفو من بنك “يو بي إس” أن صادرات وإنتاج النفط الفنزويلي كانا بالفعل تحت ضغط هبوطي قبل هذه العملية، محذرًا من أن هذا الاتجاه قد يستمر.
أما أمريتا سين من “إنرجي أسبكتس”، فقد أشارت إلى أن العقوبات والهجمات السابقة خفضت الإنتاج بنحو 25%، لكنها أضافت أن التأثير السعري لن يكون كبيرًا في ظل توقعات بناء مخزونات مرتفعة عالميًا.
الوضع الحالي لإنتاج النفط الفنزويلي
وتشير تقارير من شركة النفط الوطنية الفنزويلية إلى أن عمليات الإنتاج والتكرير تسير بشكل طبيعي حتى الآن، مع تسجيل أضرار محدودة في ميناء لا غوايرا غير النفطي. لكن هذا لا ينفي حقيقة أن إنتاج فنزويلا من النفط الخام قد انخفض بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ليصل إلى أقل من مليون برميل يوميًا، وهو ما يمثل أقل من 0.8% من الإمدادات العالمية.
وتعزى هذه الانخفاضات إلى مزيج من العوامل، بما في ذلك العقوبات الدولية، وانهيار الاقتصاد الفنزويلي، ونقص الاستثمار والصيانة في البنية التحتية النفطية. وتوضح شبكة “سي إن إن” أن الإنتاج الحالي أقل من نصف مستويات ما قبل تولي الرئيس مادورو السلطة في عام 2013، وأقل من ثلث إنتاج فنزويلا قبل وصول النظام الاشتراكي إلى الحكم.
مستقبل النفط الفنزويلي: سيناريوهات محتملة
تعتبر فنزويلا، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، حيث تقدر احتياطياتها بـ 303 مليارات برميل، أي حوالي خُمس الاحتياطي العالمي. لكن هذا الحجم الهائل لا يترجم إلى إنتاج فعلي كبير، مما يثير تساؤلات حول مستقبل قطاع الطاقة في البلاد.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن تعتزم الانخراط مباشرة في قطاع النفط الفنزويلي، مشيرًا إلى أن الشركات الأميركية ستلعب دورًا رئيسيًا في إعادة بناء هذا القطاع. وقد يمثل هذا السيناريو فرصة لزيادة إنتاج النفط الفنزويلي، ولكنه يتطلب أيضًا استقرارًا سياسيًا، ورفعًا تدريجيًا للعقوبات، وإعادة الثقة إلى المستثمرين.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن أي ارتفاع محتمل في أسعار النفط سيكون “نفسيًا أكثر منه هيكليًا”، نظرًا لوجود مخاوف بشأن فائض المعروض العالمي، وزيادة إنتاج أوبك، وتباطؤ الطلب بسبب التضخم.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة تاس الروسية عن ألكسندر فرولوف قوله إن العملية الأميركية قد تدفع الأسعار مؤقتًا إلى نطاق 70-80 دولارًا للبرميل، لكنها ستتراجع سريعًا لأن الإنتاج الفنزويلي “ذو أثر هامشي فعلي”.
الوضع الحالي يمثل نقطة تحول محتملة في سوق الطاقة العالمية. سيكون من المهم مراقبة تطورات الوضع السياسي في فنزويلا، واستجابة الأسواق، وقرارات أوبك، لتقييم الأثر الحقيقي لهذه الأحداث على أسعار النفط والإمدادات العالمية.
من المتوقع أن تعقد الأمم المتحدة اجتماعًا طارئًا خلال الأسبوع القادم لمناقشة الوضع في فنزويلا. كما ستصدر وكالة الطاقة الدولية تقريرًا مفصلاً حول تأثير هذه الأحداث على أسواق النفط العالمية بحلول نهاية الشهر. يبقى مستقبل النفط الفنزويلي معلقًا على هذه التطورات، مع وجود حالة من عدم اليقين بشأن المسار الذي ستسلكه الأمور.













