في خضمّ الأحداث المتسارعة وتصاعد الأصوات المطالبة بالعدالة، يمثل كتاب “قرع جدران الخزان” للدكتور حيدر عيد إضافة نوعية إلى الأدبيات الفلسطينية، ويوفر نافذةً فريدةً على الوضع في قطاع غزة. هذا العمل الأدبي والتحليلي يتناول سنوات الحصار والنزاعات، ويقدم تأملات عميقة حول المقاومة، والأمل، والبحث عن حلول سياسية عادلة، مما يجعله مرجعًا هامًا لفهم الوضع في غزة.
الكتاب، الذي حظي باستقبالٍ حافل من النقاد والباحثين، يجمع بين الشهادات الشخصية، والتحليلات السياسية، والتأملات الفلسفية، مُقدِّمًا بذلك صورةً شاملةً ومعقدةً لتجربة العيش في غزة على مدار ثمانية عشر عامًا. يستكشف عيد تأثير الحروب الإسرائيلية المتتالية، ومسيرات العودة، والإبادة الجماعية المستمرة على حياة الفلسطينيين، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل القضية الفلسطينية.
أهمية كتاب “قرع جدران الخزان” في ظل الأحداث الراهنة
يأتي نشر هذا الكتاب في توقيت بالغ الأهمية، بعد سنوات من الحصار والنزاعات المتصاعدة في قطاع غزة، وبعد فترة وجيزة من العمليات العسكرية التي بدأت في أكتوبر 2023. يرى الكثيرون أن الكتاب يلقي الضوء على جذور الأزمة، ويساعد على فهم السياق التاريخي والسياسي الذي أدى إلى هذه التطورات.
يشير النقاد إلى أن الكتاب ليس مجرد توثيق للأحداث، بل هو أيضًا دعوة إلى التفكير وإعادة تقييم الاستراتيجيات السياسية المتبعة. ويركز عيد على أهمية المقاومة الشعبية، والتضامن الدولي، والضغط على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال والالتزام بالقانون الدولي.
من هو حيدر عيد؟
الدكتور حيدر عيد هو أكاديمي وناشط فلسطيني، وأستاذ أدب ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة بجامعة الأقصى في غزة. يُعرف عيد بتحليلاته النقدية الصائبة، وكتاباته المكثفة حول الصراع العربي الإسرائيلي، ومشاركته الفعالة في الحركات المناصرة للقضية الفلسطينية. كما يشغل منصب مستشار السياسات لدى شبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة).
تأثير شهادة ريتشارد فولك
يُضفي تقديم البروفيسور ريتشارد فولك للكتاب، وهو خبير بارز في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وزنًا إضافيًا على محتواه. فولك، الذي شغل منصب مقرر الأمم المتحدة السابق لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اشتهر بدفاعه القوي عن حقوق الشعب الفلسطيني، وانتقاده لسياسات إسرائيل والولايات المتحدة. تؤكد شهادته على أهمية الكتاب، وتؤكد على الحاجة الملحة إلى تحقيق العدالة والمساءلة في فلسطين.
تحليل الكتاب: بين التاريخ والأمل
لا يقتصر الكتاب على سرد الأحداث الجارية في قطاع غزة، بل يمتد ليشمل تحليلًا معمقًا للتاريخ الفلسطيني، وتقديم رؤى حول البدائل السياسية الممكنة. يرفض عيد التسليم بالواقع، ويؤمن بإمكانية تحقيق تغيير إيجابي من خلال النضال المستمر والتضامن الدولي.
يستلهم عيد من تجارب المقاومة الأخرى حول العالم، مثل حركة مكافحة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ويناقش إمكانية تطبيق هذه الدروس على السياق الفلسطيني. يدعو إلى تبني استراتيجية شاملة تجمع بين المقاومة الشعبية، والحراك السياسي، والضغط الاقتصادي من أجل تحقيق الأهداف الفلسطينية.
كما يناقش عيد مفهوم الدولة الواحدة، ويقدم حججًا قوية لصالح هذا الحل، مع التأكيد على ضرورة ضمان حقوق جميع المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية. ويعتبر أن هذا الحل هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة.
استقبال النقاد للكتاب
حظي الكتاب باستحسان واسع من قبل النقاد والباحثين، الذين أشادوا بأسلوبه الأدبي الرفيع، وتحليلاته العميقة، ورؤيته المتفائلة. وصفته ليلى فرسخ، الأستاذة بجامعة ماساتشوستس، بأنه “عمل عاجل ومؤثر واسع الاطلاع”، وأشارت إلى أنه يقدم “تحليلًا ضروريًا للإبادة الجماعية في غزة”. أما عبد الرحيم الشيخ، الشاعر والناقد الفلسطيني، فقد رأى أن الكتاب يحول سؤال غسان كنفاني الشهير إلى “صرخة تحدٍ”.
أشاد إيلان بابيه، المؤرخ الإسرائيلي المعروف بإنصافه للقضية الفلسطينية، بالكتاب لتقديمه “منظورًا فلسطينيًا أصيلًا وقويًا” حول الوضع في غزة. واعتبرت جميلة غدّار، أستاذة دراسات الإعلام بجامعة أمستردام، أن الكتاب يعيدنا إلى “ذواتنا، متواضعين غاضبين ومتذكرين لماذا تمثل غزة كل فلسطين في آن واحد”.
بشكل عام، يمثل كتاب “قرع جدران الخزان” إضافة قيمة إلى الأدبيات الفلسطينية، ويوفر رؤية جديدة ومُلهمة حول المقاومة الفلسطينية، وإمكانية تحقيق السلام والعدالة في المنطقة.
خلال الأسابيع القليلة القادمة، من المتوقع أن يشهد الكتاب مزيدًا من الاهتمام والتداول، خاصةً مع استمرار التطورات في غزة. سيكون من المثير للاهتمام متابعة تأثير الكتاب على الرأي العام، وعلى الحوار السياسي حول القضية الفلسطينية، وتحديدًا فيما يخص مقترحات وقف إطلاق النار واتفاقيات تبادل الأسرى المحتملة.













