في أيام قليلة تجمّعت ثلاثة مسارات تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها في الواقع ترسم خريطة واحدة لمعادلة ما بعد الحرب: اتفاقات طاقة عابرة للحدود، ومفاوضات أمنية شديدة الحساسية، وملف داخلي معقّد يتعلق بدمج القوات وبناء الدولة. وبين هذه الدوائر، تظهر تفاصيل تستحق التوقف عندها، من توقيع مذكرتي تفاهم في القاهرة، إلى لقاءات باريس، وصولاً إلى ترددات الجدل الأوروبي حول الهجرة والكفاءات. وفي قلب المشهد يبرز ملف قسد بوصفه امتحاناً لمفهوم الدولة ووحدة القرار، فيما تمنحنا صفحة سوريا سياقاً أوسع لقراءة الصورة كاملة دون الاكتفاء بالعناوين المتفرقة.
أولاً: الطاقة ليست خدمة فقط… بل اختبار للحكم
توقيع القاهرة مذكرتي تفاهم للتعاون في الغاز والنفط يفتح نافذة “تقنية” على أزمة يومية يعيشها الناس، لكنه في الوقت ذاته يحمل معنى سياسياً واقتصادياً. الفكرة الأساسية واضحة: توريد الغاز لتوليد الكهرباء بالاستفادة من البنية التحتية المصرية، وتلبية احتياجات المشتقات النفطية بما يدعم تشغيل المرافق ويخفف الاختناق.
لكن القيمة التحليلية هنا تتجاوز صياغات البيانات، لأن ملف الكهرباء في بلد خرج من حرب طويلة ليس تفصيلاً خدمياً، بل شرطاً أولياً للاستقرار. فكل ساعة تغذية إضافية تعني:
- قدرة أكبر للمستشفيات ومحطات المياه على العمل بكفاءة.
- تقليل كلفة الإنتاج على الورش والمصانع الصغيرة.
- تخفيف الاعتماد على بدائل باهظة وغير منتظمة.
- خلق مناخ نفسي واجتماعي يسمح بإطلاق مشروعات تعافٍ مبكر بدل البقاء في إدارة الطوارئ.
ومن زاوية أخرى، تقديم القاهرة نفسها كمركز لوجستي لتداول الطاقة يعني أن التعاون العربي قد يتحول إلى “ممرات” عملية، لا مجرد دعم سياسي. وهذا مهم لأن إعادة تشغيل الاقتصاد تحتاج مسارات إمداد مستقرة، وإلا بقيت الوعود معلّقة.
ثانياً: باريس… مفاوضات أمنية تحت سقف السيادة
بالتوازي مع مسار الطاقة، تتحرك مفاوضات أمنية في باريس بتنسيق ووساطة أميركية، مع تركيز معلن على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية.
هذه النقطة تحديداً تُظهر كيف يتقاطع الأمن مع السياسة: الحديث عن “فض الاشتباك” قد يبدو تقنياً، لكنه يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة، وبالسؤال عن حدود التدخلات، وكيف تُرسم قواعد الاشتباك الجديدة على الأرض. كما أن طرح نزع السلاح في الجنوب ضمن أي اتفاق يضع الجميع أمام معادلة صعبة: كيف تُصاغ ضمانات متبادلة دون أن تتحول العملية إلى مطلب أحادي أو إلى وصفة لتوتر دائم؟
كما أن العودة إلى المفاوضات بعد توقف سابق بسبب فجوات، تعني أن الطريق ليس سهلاً، وأن أي تقدم سيكون تدريجياً ومشروطاً بقدرة الأطراف على “تثبيت” خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ.
ثالثاً: دمج القوات… عقدة الدولة التي لا تُحل بالتصريحات
في الداخل، انعقد اجتماع في دمشق لبحث دمج القوات العسكرية، لكن مصادر حكومية قالت إنه لم يحقق تقدماً ملموساً في تنفيذ اتفاق العاشر من مارس 2025 على الأرض، بينما أكد الطرف الآخر استمرار المسار عبر اجتماعات لاحقة. وهنا تتضح نقطة جوهرية: المشكلة ليست في مبدأ الدمج فقط، بل في تفاصيله ومفاعيله.
يمكن تلخيص العقد الأساسية في ثلاثة محاور مترابطة:
1) القرار الأمني الموحّد
دمج أي قوة مسلحة خارج البنية التقليدية يعني الاتفاق على من يملك قرار الانتشار والتسليح والتعيينات، وكيف تُدار المناطق الحساسة دون ازدواجية.
2) الإدارة والموارد
الحديث عن المعابر والمطارات وحقول النفط ليس تقنياً، لأنه يمس ميزان القوى الاقتصادي، وقدرة الدولة على تمويل الخدمات، وتوزيع العائدات بشكل عادل.
3) الضمانات الإقليمية
وجود أطراف إقليمية فاعلة، ومخاوف من تدخلات محتملة إذا تعثر المسار، يجعل كل خطوة محسوبة بدقة. لذا لا غرابة أن يتحول “التأخير” إلى عامل ضغط سياسي، وأن ترتفع نبرة التحذير من أن المماطلة قد تضر التنمية والتعافي.
رابعاً: ألمانيا… حين يصبح النقاش عن اللاجئين نقاشاً عن المستشفيات
الجزء الذي يبدو بعيداً جغرافياً يعود ليؤثر في الداخل بطريقة غير مباشرة: تحذيرات جمعيات الصحة الألمانية من أن تصاعد الخطاب المعادي للسوريين قد يفاقم نقص الكوادر الطبية. حين تشكل هذه الجالية أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب العاملين هناك، فإن أي موجة مغادرة أو تضييق قانوني لا ينعكس على الأفراد فقط، بل على نظام صحي كامل يعاني أصلاً من نقص العمالة.
الأهم هنا أن النقاش السياسي حول العودة “الطوعية” أو الترحيل يتصادم مع ثلاث حقائق:
- العودة تحتاج شروط أمان وخدمات واستقرار قانوني في بلد المنشأ.
- الاندماج المهني والإنساني في بلد الاستضافة يصبح جزءاً من اقتصادها وخدماتها.
- خسارة الكفاءات تعني خسارة سنوات من التدريب والترخيص والخبرة.
وبالتالي، فإن أي قراءة لمسار التعافي لا تكتمل دون فهم أثر الشتات: الناس ليسوا مجرد أرقام، بل جزء من معادلة إعادة البناء، سواء عادوا أو ظلوا يساهمون من الخارج.
في النهاية
ما يجري ليس سلسلة أخبار متفرقة، بل لوحة واحدة تُظهر أن المرحلة المقبلة تُدار عبر “مفاتيح” محددة: كهرباء تُعيد تشغيل المجتمع، وأمن يحاول تثبيت خطوطه دون انفجار، وملف داخلي يختبر وحدة القرار، وشتات تُحدّد سياسات الدول المضيفة مستقبل جزء كبير منه. النجاح لن يُقاس بتوقيع مذكرات أو عقد جولات تفاوضية فقط، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه المسارات إلى نتائج ملموسة: خدمات مستقرة، مؤسسات أكثر تماسكا، ومسار سياسي يخفف أسباب الهجرة بدل أن يعيد إنتاجها.












