يمثل القرن التاسع عشر منعطفًا حاسمًا في العلاقة بين الشريعة الإسلامية والسلطة السياسية، وفي موقع الفقه باعتباره النظام الأساسي للتأويل والتطبيق القانوني لقرون طويلة. أثار نشوء الدولة الحديثة، بنمطها التشريعي الجديد القائم على القوانين المكتوبة والإجراءات المعيارية، تساؤلات جوهرية حول استمرارية الشريعة ودورها في الحياة القانونية المعاصرة. يتناول كتاب “استمرارية الشريعة: تطور الفقه الجنائي في القرن الـ19” لبرايان رايت، المترجم عن طريق الدكتور محمود عبد العزيز أحمد، هذه القضية من خلال تحليل نقدي معمق.
الشريعة في مواجهة الدولة الحديثة: جدل الاستمرارية
تراجع دور الشريعة في الفضاء القانوني الحديث، وفقًا لبعض الدراسات، واقتصر تأثيرها على قضايا الأحوال الشخصية. يجادل الكتاب بأن هذا التصور تبسيطي، ويقدم مقاربة مختلفة ترى أن عملية التحول لم تكن خطية، بل كانت شبكة معقدة من التفاعلات التي حافظت على مكانة الشريعة كمرجعية أساسية، سواء في الأخلاقيات القانونية أو في صياغة التقنينات القانونية الأولية. لا يعني هذا غياب التأثيرات الغربية، بل يعني أن الفقهاء والمؤسسات العلمية شاركوا بفاعلية في نقل الشريعة إلى فضاء تشريعي جديد.
تطور الفقه الجنائي في القرن التاسع عشر
يركز الكتاب بشكل خاص على تطور الفقه الجنائي في القرن التاسع عشر، معتبرًا أن هذا المجال يمثل نقطة التقاء حاسمة بين سلطة الدولة والأعراف الفقهية التقليدية. تغيرت طبيعة الجريمة والعقاب مع نشوء الدولة الحديثة، مما استدعى إعادة النظر في المفاهيم الفقهية القديمة وتكييفها مع الواقع الجديد.
دراسة مقارنة بين الهند ومصر والدولة العثمانية
يعتمد رايت في تحليله على دراسة مقارنة معمقة للهند ومصر والدولة العثمانية، بهدف تتبع مسارات التفاعل بين الفقه والقانون في هذه السياقات المختلفة. في الهند، على سبيل المثال، ظهرت فتاوى من علماء أجازوا اللجوء إلى المحاكم البريطانية في بعض الحالات، معتبرين أن ذلك لا يتعارض مع مبادئ الشريعة. وفي الدولة العثمانية، ساهم العلماء في صياغة قانون العقوبات لعام 1858، مع مراعاة المبادئ الفقهية السائدة.
دور “السياسة الشرعية” في التوفيق بين الفقه والقانون
يلقي الكتاب الضوء على دور مفهوم “السياسة الشرعية” في تبرير القوانين الجديدة والتوفيق بينها وبين الإطار الشرعي العام. كانت “السياسة الشرعية” تسمح للحاكم باتخاذ إجراءات تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، حتى لو كانت تلك الإجراءات تتعارض مع بعض الأحكام الفقهية التفصيلية. هذا المفهوم لعب دورًا مهمًا في تمكين الدولة الحديثة من ممارسة سلطتها التشريعية دون إثارة معارضة واسعة من قبل العلماء.
تحديات ومآلات الاستمرارية
على الرغم من محاولات التوفيق بين الفقه والقانون، واجهت الشريعة الإسلامية تحديات كبيرة في القرن التاسع عشر. صعود النخب القانونية الجديدة، والمتخرجة من الكليات القانونية الحديثة، أدى إلى تراجع دور المؤسسات الفقهية التقليدية. كما أن ظهور خطاب جديد يرى في الشريعة نظامًا جامدًا وغير قادر على مواكبة التطورات الحديثة ساهم في تعميق الهوة بين الفقه والقانون.
ومع ذلك، يرى الكتاب أن الشريعة لم تنقطع تمامًا عن الحياة القانونية، بل استمرت في التأثير على القوانين والممارسات القضائية من خلال مسارات غير مباشرة. فقد استمر الفقهاء في تقديم الاستشارات القانونية، وكتابة الفتاوى، والتدريس في الكليات الشرعية، مما ساهم في الحفاظ على حضور الفقه في المجتمع.
نحو فهم تراكمي للقانون والإسلام
يقدم الكتاب مساهمة قيمة في فهم العلاقة المعقدة بين الشريعة والقانون في العالم الإسلامي. يدعو إلى تجاوز التصورات الثنائية التي ترى في الشريعة والقانون نظامين متناقضين، وإلى تبني رؤية تراكمية ترى في القانون نتيجة لتفاعل مستمر بين مختلف المصادر القانونية، بما في ذلك الفقه الإسلامي.
من المتوقع أن يثير هذا الكتاب جدلاً واسعًا في الأوساط الأكاديمية والقانونية، وأن يدفع إلى إعادة النظر في تاريخ الفقه ودوره في تشكيل القانون في العالم الإسلامي. يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل الشريعة في مواجهة التحديات الحديثة، وما إذا كانت ستتمكن من استعادة دورها كمرجعية أساسية في الحياة القانونية.













