في كل أزمة كبيرة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو صحية، يتكرر المشهد ذاته: تدفق الرسائل على الهواتف، انتشار مقاطع الفيديو بلا مصدر واضح، عناوين مثيرة تهدف إلى التنبؤ بالأسوأ، ووجوه قلقة تحاول فهم ما يجري. ومع أن التكنولوجيا سهلت الوصول إلى المعلومات، فإنها في لحظات التوتر تحول الكثيرين إلى أسرى للشائعات والتهويل. إدارة المعلومات بشكل واعٍ أصبحت ضرورة ملحة لحماية النفس والمجتمع.
تزداد أهمية التعامل الواعي مع الأخبار في ظل التطورات المتسارعة التي نشهدها، حيث يمكن أن تنتشر معلومة غير دقيقة في ثوانٍ محدثةً حالة من الذعر غير المبرر. تعتبر القدرة على تقييم المصادر والتحقق من الحقائق مهارة أساسية للتعامل مع هذه الأزمات بفعالية، وتجنب الوقوع ضحية للتضليل الإعلامي. هذا الأمر يتطلب جهداً واعياً من كل فرد.
الإدارة الواعية للشائعات
تبدأ الإدارة الواعية بضبط مصادر الأخبار. العزلة التامة عن الأخبار ليست حلاً، ولكن متابعة كل شيء من كل مكان قد تؤدي إلى الارتباك. المنهج الأفضل هو الاكتفاء بعدد محدود من المصادر المهنية والموثوقة، وتحديد أوقات معينة لمتابعة المستجدات بدلاً من البقاء في حالة استنفار دائم. التركيز على وكالات الأنباء الرسمية ووسائل الإعلام ذات السمعة الطيبة يقلل من خطر التعرض للمعلومات المضللة.
من الضروري التمييز بين الخبر المؤكد والتحليل والإشاعة. كثيرون يخلطون بين سيناريو محتمل وواقع حتمي. لذا، يجب على القارئ أن يسأل نفسه دائماً: من نشر هذه المعلومة؟ هل هي خبر موثق أم مجرد رأي؟ هل لدى قائلها خبرة أو مسؤولية مباشرة أم أنه مجهول في تطبيقات الدردشة؟ التحقق من صحة المعلومات من خلال مصادر متعددة هو خطوة أساسية.
دور الأسرة في مواجهة الشائعات
داخل الأسرة، يلتقط الأطفال مشاعر الكبار قبل كلماتهم. إدارة الموضوع مع العائلة تحتاج إلى توازن “لا إنكار ولا مبالغة”. تقديم معلومات بسيطة وواضحة تناسب أعمار الأبناء، مع التركيز على ما يمكن القيام به عملياً وفق إرشادات الجهات الرسمية، والامتناع عن عرض مقاطع عنيفة أو شديدة القسوة داخل البيت، كلها أمور تساعد في الحفاظ على استقرارهم النفسي.
كيفية كبح جماح الشائعات
في محيط الأصدقاء والعمل، يمكن للفرد أن يلعب دوراً هادئاً في كبح الشائعات، عبر طرح أسئلة مثل: ما مصدر هذه الرسالة؟ هل من الحكمة نشرها؟ الاعتذار بلطف عن إعادة إرسال تسجيلات مجهولة أو صور بلا سياق، ومقابلة ذلك بمشاركة مواد صحفية موثقة، يساهم في نشر الوعي ووقف انتشار المعلومات الخاطئة. التحلي بالمسؤولية في مشاركة الأخبار هو واجب على الجميع.
بالإضافة إلى ذلك، يساعد الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية على تجاوز الأزمات بسلام. تقنين متابعة الأخبار، وتجنب متابعتها قبل النوم، والمحافظة على قدر من الروتين اليومي، وممارسة أنشطة تبعث على الهدوء، كلها عوامل مهمة للحفاظ على التوازن النفسي في أوقات الأزمات. التركيز على الذات والاهتمام بالصحة العامة يعزز القدرة على التعامل مع الضغوط.
في المقابل، لا تعني الدعوة لتجنب التهويل التقليل من خطورة الأزمات الفعلية، بل التفريق بين الاستعداد الواقعي المبني على معلومات رسمية وخطط واضحة، وبين الهلع الذي يغذي نفسه بنفسه. هنا يقع جزء من المسؤولية على وسائل الإعلام التي يفترض أن توازن بين حق الناس في المعرفة وحقهم في ألا يدفعوا إلى الذعر. الشفافية والموضوعية في نقل الأخبار هما أساس الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور.
مع استمرار التحديات التي تواجهنا، من المتوقع أن تزداد الحاجة إلى تطوير مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات. ستركز الجهات الحكومية ووسائل الإعلام على تقديم المزيد من التوعية حول كيفية التعامل مع الأخبار الكاذبة والتضليل الإعلامي. من الضروري متابعة هذه الجهود والاستفادة منها لتعزيز قدرتنا على مواجهة الأزمات بوعي ومسؤولية.













