قد يجد الأسير في زنزانته ما يعجز عنه الكثيرون في حريتهم، لكن السجن ليس مجرد حرمان من الحرية، بل هو بيئة فريدة تتطلب إدارة واعية للوقت والفرص. هذه المقالة تستكشف قصة عبد الناصر عيسى، المناضل الفلسطيني الذي قضى 34 عامًا في سجون الاحتلال، وكيف حول سنوات الأسر إلى مسيرة تعليمية وتنظيمية أثرت في الواقع الفلسطيني.
الأسير بوصفه قدراً عائلياً
قصة عبد الناصر عيسى ليست استثناءً في سجل النضال الفلسطيني؛ فالاعتقال جزء لا يتجزأ من حياة العديد من العائلات. والده كان من القوميين العرب، وقضى سنوات في السجن، مما شكّل وعي عبد الناصر منذ الصغر. هذا الوعي لم يمنعه من مواجهة الاعتقالات المتكررة، بل عزّز إيمانه بأن السجن محطة وليست نهاية.
بدأ اعتقاله الأول في سن المراهقة، قبل تأسيس السلطة الفلسطينية، وتوالت الاعتقالات بعد ذلك. لكنه يؤكد أن الاعتقال لم يوقف مسيرته النضالية، بل أتاح له الفرصة للتخطيط والتنظيم من داخل السجن. حتى اعتقاله القصير لدى السلطة الفلسطينية، بسبب هوية مزورة، لم يثنِ عزيمته.
تحديات السجن وتجاوزها
السجن ليس مجرد حرمان من الحرية الجسدية، بل هو تحدٍ نفسي واجتماعي. يصف عبد الناصر كيف يواجه الأسرى شبح الفراغ من خلال استثمار وقتهم في التعليم والتأليف والعمل التنظيمي. لقد تحوّل السجن بالنسبة له إلى جامعة ومكتبة وورشة عمل في آن واحد.
بعد الطوفان، ازدادت صعوبات السجن، مع تفاقم إجراءات الاحتلال القمعية. لكنه يؤكد أن هذه الظروف لم تكسر إرادة الأسرى، بل زادتهم صمودًا وتصميمًا على مواصلة النضال.
التعليم الجامعي خلف القضبان
أحد أبرز إنجازات عبد الناصر عيسى ورفاقه في السجن هو إدخال التعليم الجامعي إلى الزنازين. بدأت هذه المبادرة بشكل فردي، مع التحاق يحيى السنوار بالجامعة العبرية، ثم تطورت لتشمل عشرات الأسرى. لقد أثبت الأسرى أنهم قادرون على مواصلة تعليمهم حتى في أصعب الظروف.
واجهت هذه المبادرة تحديات كبيرة، بما في ذلك صعوبة الحصول على الكتب والمواد التعليمية، وتعلم اللغة العبرية، وإجراء الامتحانات في ظل ظروف أمنية مشددة. لكن الأسرى تغلبوا على هذه التحديات بفضل إصرارهم وتعاونهم ودعمهم من الخارج.
مركز “حضارات” للدراسات
لم يكتفِ عبد الناصر عيسى بالتعليم الجامعي، بل أسس أيضًا مركز “حضارات” للدراسات داخل السجن. كان هذا المركز بمثابة منصة للبحث والتأليف والنشر، وساهم في إثراء الفكر الفلسطيني وتطويره. لقد أثبت عبد الناصر أن السجن لا يمكن أن يحد من طموحاته وإبداعه.
المركز اعتمد على شبكة من المتعاونين في الخارج، الذين ساهموا في توفير الدعم اللوجستي والمالي. كما نشر المركز مجلة “حريتنا”، التي كانت بمثابة منبر للأسرى للتعبير عن آرائهم وقضاياهم.
مستقبل الحركة الأسيرة
يشدد عبد الناصر عيسى على أهمية الوحدة والتكاتف في صفوف الحركة الفلسطينية، ويحذر من خطر الانقسام والخلافات الداخلية. ويؤكد أن الأسرى المحررين لديهم دور كبير في تجديد الحركة وتطويرها، وأنهم قادرون على قيادة المرحلة القادمة.
يرى أن أولويات الحركة يجب أن تركز على دعم غزة وإعادة بنائها، والحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني، ومواصلة النضال من أجل تحقيق الأهداف الوطنية. ويؤكد أن الحركة الفلسطينية قادرة على تجاوز التحديات وتحقيق النصر.
الوضع في غزة لا يزال معقداً، وتتوقف الكثير من الأمور على نتائج المفاوضات الجارية. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تطورات جديدة في هذا الملف، وأن يتم الإعلان عن خطط لإعادة الإعمار وتقديم المساعدات الإنسانية. يبقى الأسرى المحررون قوة دافعة للتغيير، ومساهمتهم في بناء مستقبل أفضل لفلسطين أمر لا شك فيه.













