يمثل الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 نقطة تحول محورية في النظام الدولي الذي تأسس عام 1945، وذلك بعد اقدام الولايات المتحدة على عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك. هذا الإجراء يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل القانون الدولي واحترام سيادة الدول، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في مواجهة هذا التطور غير المسبوق.
وتناولت حلقة (2026/1/8) من برنامج “سيناريوهات” التداعيات المحتملة لهذا الحدث، مركزةً على مستقبل القانون الدولي في ظل تجاهل الدولة الأقوى لقواعده الأساسية، وإمكانية استغلال قوى أخرى لهذه السابقة لتبرير تدخلاتها العسكرية، وقدرة المجتمع الدولي على الاستجابة لهذا التحول الخطير في العلاقات بين الدول.
مستقبل القانون الدولي في ظل التحديات الجديدة
يرى أستاذ العلوم السياسية زياد ماجد أن هذا الحدث يطرح أسئلة غير مسبوقة حول إمكانية اعتقال رؤساء الدول دون محاسبة، ويكشف عن تراجع تدريجي في الالتزام بالمواثيق والتشريعات الدولية التي وُقعت بعد الحرب العالمية الثانية. وأضاف أن هذه العملية تمثل بداية فصل جديد لا يعترف بأي اعتبار للمسؤولين السياسيين في الدول ذات السيادة، بغض النظر عن تقييم أنظمتهم أو ممارساتهم.
وأشار ماجد إلى أن هناك ثلاثة مستويات من التخلي عن المبادئ القانونية تحدث بشكل متتابع: أولها التشريعات التي وضعت بين عامي 1945 و1949، وثانيها القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وثالثها معاقبة منتهكي القانون الدولي.
مبدأ مونرو وتأثيره على السياسة الخارجية الأمريكية
وفي سياق متصل، أوضح كبير الباحثين في جامعة جونز هوبكنز، حافظ الغويل، أن الرئيس السابق دونالد ترامب قد أرسى واقعاً جديداً مفاده أن القوة العسكرية هي المحدد الوحيد لسلوك الدول. وأضاف أن ما نشهده الآن هو عودة واضحة إلى “مبدأ مونرو”، الذي يمنح الولايات المتحدة الحق في التدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية.
ونوه الغويل إلى أن ترامب قد أقر صراحةً برغبته في السيطرة على النفط الفنزويلي، وأن الخطاب التقليدي حول الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية قد انتهى. ووصف ما يحدث بأنه وحشية إمبريالية تعكس عقلية قديمة، حيث أصبحت واشنطن مستعدة لسرقة موارد الدول علناً.
تدمير النظام العالمي القائم
من جهته، حذر المدير المؤسس للمعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية، باسكال بونيفاس، من أن ترامب قد دمر النظام العالمي الذي بُني بعد عام 1945، مما سمح لكل طرف بالتصرف وفقاً لقوته وليس وفقاً للقواعد. وأشار إلى أن القوى العالمية الرئيسية اتفقت بعد الحرب العالمية الثانية على أن القوة وحدها لا يمكن أن تحكم العلاقات الدولية، وأن هذه العلاقات يجب أن تخضع لإطار قانوني.
ولفت بونيفاس إلى أن الصين قد تستفيد من هذا الوضع، حيث تبدو كدولة مستقرة في مقابل الفوضى الأمريكية. وأوضح أن أوروبا تجد نفسها في موقف صعب بين الاعتداءات الروسية في أوكرانيا والسياسات الإمبريالية لترامب. وأكد أن بداية سقوط الإمبراطوريات تبدأ بفقدان القيم أو القدرة على جذب الآخرين، وأن الولايات المتحدة قد فقدت الكثير من مصداقيتها بسبب سياسات ترامب.
وأضاف الغويل أن ترامب وجه ضربة قاسية للتحالفات مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وأمريكا اللاتينية وكندا. وحذر من أن أي دولة عاقلة يجب أن تدرك أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة، لأنها قد تغير توجهاتها وتحالفاتها بتغير الإدارة الأمريكية.
كما نوه ماجد إلى أن العالم يدفع ثمن التواطؤ مع حرب الإبادة في غزة، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستغل الدعم الأمريكي لتحقيق أهدافه بالقوة العسكرية. وأشار إلى أن الصين أيضاً مستهدفة بما جرى في فنزويلا، وأن موضوع القطب الشمالي يثير قلق ترامب.
واختتم بونيفاس حديثه بالتأكيد على أن ترامب يتصرف كزعيم عصابة، ويبتز الأطراف الأخرى لتحقيق مصالحه، وحذر من أن هذا سيؤدي إلى تدمير كل ما تم إنشاؤه بعد الحرب العالمية الثانية، وأن الوضع الحالي أسوأ من أي انتهاك سابق لالقانون الدولي.
من المتوقع أن تتصاعد ردود الفعل الدولية على هذه التطورات في الأيام القادمة، مع احتمال انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة الوضع. يبقى من غير الواضح ما إذا كان المجتمع الدولي سيتمكن من التوصل إلى توافق حول كيفية التعامل مع هذا التحدي الجديد، وما إذا كانت هذه السابقة ستؤدي إلى المزيد من التدخلات العسكرية في المستقبل. سيراقب المراقبون عن كثب رد فعل القوى الكبرى، وخاصة الصين وروسيا، وكيف ستؤثر هذه الأحداث على مستقبل النظام العالمي.













