في مطلع هذا العام، استيقظ العالم التقني على واقع جديد. لم تعد بطاقات الشاشة (Graphic Cards) مجرد قطع من العتاد الصلب يحلم بها هواة الألعاب أو المصممون، بل تحولت إلى “عملة نادرة” يتصارع عليها أباطرة التكنولوجيا. هذه الأزمة، التي باتت تعرف اصطلاحا بـ”راماغيدون”، ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى في سوق السيليكون.
وتشير التقارير إلى أن الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي التوليدي هو المحرك الرئيسي لهذه الأزمة. حيث تعتمد الشركات الكبرى في تطوير نماذجها على كميات هائلة من الذاكرة، مما أدى إلى سحب كبير من مخزونات السوق العالمية، وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
ذاكرة الفيديو “في آر إيه إم”.. المكون الذي كسر ميزانية المستخدم
ولفهم أبعاد “راماغيدون”، يجب أن نلقي نظرة على مراكز البيانات العملاقة. مع الانفجار الهائل في نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبح الطلب على الذاكرة العشوائية (DRAM) وذاكرة الفيديو (VRAM) يفوق الخيال. الشركات الكبرى، مثل “أوبن إيه آي” و”مايكروسوفت” و”ميتا”، لم تعد تكتفي بشراء آلاف المعالجات، بل أصبحت تشتري “سعة النطاق الترددي” للذاكرة.
وقد قامت هذه الشركات بالاستحواذ الاستباقي على كامل إنتاج المصانع الكبرى، مثل “سامسونغ” و”إس كيه هاينكس”، من ذواكر “إتش بي إم 4″ و”جي دي دي آر 7”. هذا السحب الهائل من المخزون العالمي أدى إلى جفاف المنابع التي تغذي سوق المستهلكين الأفراد، مما جعل الشركات المصنعة لبطاقات الشاشة الموجهة للأفراد تواجه صعوبات كبيرة.
الشركات إما مجبرة على شراء الذاكرة بأسعار خيالية، أو التوقف عن الإنتاج. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار بطاقات الرسوميات بشكل كبير، وأصبح من الصعب على المستخدمين العاديين الحصول عليها بالأسعار المعقولة.
تداعيات الأزمة على سوق الحواسيب
لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على سوق بطاقات الشاشة فقط، بل تمتد لتشمل سوق الحواسيب بأكمله. فارتفاع أسعار الذاكرة أدى إلى زيادة تكلفة تصنيع الحواسيب المحمولة والمكتبية، مما أثر على أسعارها في السوق.
وتراجع معروض البطاقات أدى إلى ارتفاع الأسعار في سوق المستعمل، وظهور عمليات احتيال. بالنسبة للمستهلك، أصبح شراء حاسوب جديد، أو ترقية بطاقة الشاشة القديمة، تحديا ماليا كبيرا.
صراع على الموارد التقنية
يرى خبراء الصناعة أن أزمة “راماغيدون” هي نتيجة لصراع جيوسياسي على الموارد التقنية. حيث تتركز صناعة الذواكر المتقدمة في عدد قليل من الدول، مما يمنحها نفوذا كبيرا في السوق العالمية.
وقد أدت التوترات التجارية بين هذه الدول إلى تقييد صادرات الذواكر، وزيادة أسعارها. هذا الوضع دفع بعض الدول إلى الاستثمار في بناء مصانع ذواكر خاصة بها، لتقليل اعتمادها على الخارج، ولكن هذه الخطوة تتطلب وقتا وجهدا كبيرين.
تعتبر هذه الأزمة بمثابة نقطة تحول في سوق التكنولوجيا، حيث بدأت الشركات والمستهلكون في إدراك أهمية الذاكرة كعنصر أساسي في كل الأجهزة الإلكترونية. كما أشارت العديد من التقارير إلى زيادة الطلب على وحدات المعالجة المركزية (CPUs) المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
المستقبل المجهول لسوق بطاقات الشاشة
لا يزال من غير الواضح متى ستنتهي أزمة “راماغيدون”. ويقول المحللون إن حل هذه المشكلة يتطلب زيادة الإنتاج العالمي من الذاكرة، وتقليل الاعتماد على عدد قليل من الدول المصنعة.
من المتوقع أن تبدأ المصانع الجديدة في الإنتاج في أواخر عام 2027، ولكن قد يستغرق الأمر وقتا أطول حتى يتمكن السوق من استعادة توازنه. وفي الوقت الحالي، يجب على المستهلكين أن يكونوا على استعداد لدفع أسعار أعلى مقابل بطاقات الشاشة، أو البحث عن بدائل أرخص.
الوضع الحالي ينذر بمزيد من التقلبات في سوق التكنولوجيا، وبالتالي، يجب على الشركات والمستهلكين الاستعداد لمواجهة هذه التحديات. إنّ تطورات صناعة أشباه الموصلات (Semiconductors) ستكون هي الفيصل في تحديد مستقبل هذه الأزمة.













