في السنوات الأخيرة، شهد المسافرون حول العالم ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار تذاكر الطيران، بالإضافة إلى تدهور في مستوى الخدمات المقدمة. أصبحت المقاعد أكثر ضيقًا، وتزايدت الرسوم الإضافية بشكل مستمر، مما أثر سلبًا على تجربة السفر، خاصة في الدرجة الاقتصادية. وبينما يُلقى باللوم على عوامل مثل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، تشير تحليلات السوق إلى أن هناك ديناميكية أعمق تؤثر على هذه التغييرات.
على الرغم من الشكاوى المتزايدة، لم يشهد قطاع الطيران انخفاضًا في الطلب، بل على العكس، حافظ على مستويات عالية من الإقبال. هذا الواقع يدفع شركات الطيران إلى تبني استراتيجيات جديدة تركز على زيادة الإيرادات حتى على حساب راحة المسافرين. فالسوق، وفقًا للعديد من التقارير، يتقبل هذه التغييرات طالما أن الرحلات لا تزال ممتلئة.
تزايد الرسوم الإضافية وتأثيرها على أسعار تذاكر الطيران
لم يعد التغيير الأبرز في قطاع الطيران هو مجرد ارتفاع الأسعار، بل هو تفكيك هيكل سعر التذكرة. فالسعر الأساسي يبدو مغريًا في البداية، لكنه سرعان ما يتزايد مع إضافة رسوم مقابل خدمات كانت تعتبر في السابق جزءًا أساسيًا من الرحلة، مثل اختيار المقعد، والأمتعة، والوجبات، وحتى بعض خيارات الترفيه.
تشير تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) إلى أن الإيرادات الناتجة عن الخدمات الإضافية وصلت إلى حوالي 144 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مما يجعلها مصدرًا رئيسيًا للربح لشركات الطيران. وفي الولايات المتحدة، انتقدت لجنة التحقيقات الدائمة في مجلس الشيوخ هذه الممارسات، مشيرة إلى أن خمس شركات طيران كبرى حققت أكثر من 12 مليار دولار من رسوم المقاعد خلال خمس سنوات.
تحول نموذج الإيرادات في قطاع الطيران
تُظهر الأرقام تحولًا واضحًا في نموذج الإيرادات. فالرسوم الإضافية تمثل الآن حوالي 15% من إجمالي عائدات شركات الطيران على مستوى العالم، مقارنة بنحو 5% في عام 2010. وتعتبر رسوم الأمتعة من أبرز الأمثلة على هذا التحول، حيث بلغت الإيرادات العالمية المتوقعة منها أكثر من 33 مليار دولار في عام واحد، مع معدل نمو سنوي ملحوظ.
أصبحت الحقيبة والمقعد وبعض الخدمات الأساسية بمثابة مصادر ربح مستقلة، مما أدى إلى تقليص الخدمات المشمولة في السعر الأساسي، خاصة في الدرجة الاقتصادية. هذا التوجه يعكس تركيز شركات الطيران على تحقيق أقصى ربح ممكن من كل مسافر.
زيادة الكثافة في الطائرات وتأثيرها على تجربة السفر
بالإضافة إلى الرسوم الإضافية، لجأت شركات الطيران إلى زيادة كثافة الركاب داخل الطائرات، من خلال إضافة المزيد من المقاعد وتقليل المسافة بينها. في المقابل، يتم توسيع فئات السفر الأعلى ربحية، مثل درجة رجال الأعمال والأولى.
وقد أثارت بعض هذه الممارسات جدلاً واسعًا، مثل قرار شركة طيران كندية بتقليص المسافة بين مقاعد الدرجة الاقتصادية لإضافة صف إضافي. اضطرت الشركة إلى التراجع عن هذا القرار بعد موجة من الاحتجاجات والانتقادات التي انتشرت على نطاق واسع.
يبدو أن القاعدة العامة في هذا السياق هي أن شركات الطيران ستستمر في تطبيق هذه السياسات طالما أن الغضب لا يؤثر على الطلب أو سمعة الشركة بشكل كبير. فالمقاعد تظل ممتلئة، والرسوم تُدفع، والخدمات تتراجع، لكن المسافرين يستمرون في السفر.
تشير التوقعات إلى أن صناعة الطيران تجاوزت مرحلة التعافي، ومن المتوقع أن تصل الأرباح الصافية لشركات الطيران العالمية إلى أكثر من 40 مليار دولار في عام 2026، بهامش ربح يقترب من 4%. هذه الأرقام تؤكد أن تراجع جودة التجربة لا يمكن تفسيره فقط بخسائر الماضي، بل بترسيخ نموذج ربحي جديد أثبت فعاليته.
هناك عدة عوامل تساهم في استمرار هذا الوضع، بما في ذلك الطلب غير المرن على السفر (بسبب العمل أو الدراسة أو الروابط العائلية)، وتراجع الشفافية في عرض الأسعار والرسوم، والتركيز المتزايد على المسافرين ذوي الدخل المرتفع. بعض الشركات أعلنت صراحة أن نموها المستقبلي يعتمد على جذب المزيد من هؤلاء المسافرين.
في الختام، يمكن القول إن الغضب الذي لا يترجم إلى تغيير في السلوك الاستهلاكي لن يؤدي إلى تغيير في السوق. شركات الطيران لم تنجح في إسكات الركاب، بل أدركت أن الغضب لا يؤثر على قراراتهم الشرائية. من المتوقع أن تستمر هذه الديناميكية حتى يضغط المستهلكون بشكل فعال من خلال تغيير شركات الطيران، أو دعم القواعد التي تحمي حقوقهم وتفرض شفافية حقيقية في الأسعار. في المستقبل القريب، من المرجح أن نشهد المزيد من التركيز على الفئات الأعلى ربحية، مع استمرار تدهور الخدمات في الدرجة الاقتصادية، ما لم تتغير سلوكيات المستهلكين.













