تشهد دولة غويانا، الواقعة في شمال شرق أمريكا الجنوبية، تحولًا اقتصاديًا جذريًا بفضل اكتشافات النفط الهائلة في السنوات الأخيرة. فبعد عقود من الاعتماد على الزراعة، أصبحت غويانا مركزًا جذب للشركات النفطية العالمية، ومحورًا لصراع جيوسياسي متصاعد. هذا التقرير يستعرض خلفية هذا التحول، حجم الاحتياطيات النفطية، التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد، بالإضافة إلى النزاع الحدودي القائم مع فنزويلا.
تبلغ مساحة غويانا حوالي 83 ألف ميل مربع، ويقدّر عدد سكانها بنحو 836 ألف نسمة. وعلى الرغم من صغر حجمها، إلا أنها تتمتع بثروات طبيعية متنوعة، بما في ذلك قصب السكر والأرز. ومع ذلك، بدأ عصر النفط في غويانا عام 2015، وغير بشكل كامل مسار اقتصاد البلاد ووضعها على الخريطة العالمية للطاقة.
من استعمر غويانا وتأثير ذلك على حاضرها؟
يعود الاستعمار في غويانا إلى أواخر القرن السادس عشر، حيث أسس الهولنديون أولى المستوطنات الدائمة. مرت البلاد بفترات حكم هولندية وبريطانية، واعتمد اقتصادها بشكل كبير على الزراعة والعمل القسري. أسفر عن ذلك إرث من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي استمرت حتى بعد الاستقلال عام 1966.
هذه الخلفية الاستعمارية أثرت على البنية الاقتصادية والسياسية للبلاد، وجعلتها تعتمد بشكل كبير على عدد قليل من الصادرات الزراعية لسنوات طويلة. الأمر الذي أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وتفاقم الفقر، حتى اكتشاف النفط غيّر هذه المعادلة بشكل جذري.
كم تبلغ الاحتياطيات النفطية في غويانا؟
أصبحت غويانا واحدة من أكثر الدول الواعدة في مجال اكتشافات النفط على مستوى العالم. تشير تقديرات شركة “ريستاد إنرجي” النرويجية إلى أن الموارد القابلة للاستخراج قد تتجاوز 13 مليار برميل من المكافئ النفطي. وتُظهر بيانات حكومية أن الموارد المكتشفة بالفعل تبلغ حوالي 11.6 مليار برميل.
هذه الاحتياطيات الضخمة تضع غويانا في موقع استراتيجي مهم، وتجعلها هدفًا رئيسيًا للاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن إنتاج النفط في غويانا قد يرتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات القادمة، مما يعزز مكانتها كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية.
الشركات النفطية المتنافسة في غويانا
يشهد قطاع النفط في غويانا منافسة شرسة بين الشركات العالمية الكبرى. تتصدر شركة إكسون موبيل قائمة الشركات العاملة في البلاد، وتقود عمليات التطوير في حقل ستابروك البحري. تشارك أيضًا شركات مثل هيس وشيفرون وتوتال إنيرجي وقطر للطاقة وبيتروناس في استكشاف وإنتاج النفط.
تستثمر هذه الشركات مبالغ طائلة في تطوير البنية التحتية النفطية في غويانا، وتسعى لتأمين حصتها في هذه الثروة الواعدة. وقد أدى دخول شركات جديدة إلى زيادة الإنتاج وتوسيع نطاق العمليات النفطية في البلاد.
التحديات الاقتصادية والاجتماعية
على الرغم من الطفرة النفطية التي تشهدها غويانا، إلا أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية لا تزال قائمة. فقد أشار خبراء إلى أن توزيع الثروة النفطية ليس بالتساوي، وأن جزءًا كبيرًا منها يذهب إلى الشركات الأجنبية والحكومة، في حين أن الفوائد الملموسة للمواطنين العاديين لا تزال محدودة.
إضافة إلى ذلك، يواجه قطاع النفط في غويانا تحديات تتعلق بالبنية التحتية والكوادر المؤهلة والقدرة على إدارة الموارد بشكل مستدام. و من الضروري على الحكومة الغيانية وضع خطط واضحة ومستدامة لضمان استفادة جميع المواطنين من ثروات البلاد النفطية.
نزاع إيسكويبو: تهديد للاستقرار الإقليمي
يمثل إقليم إيسكويبو، الغني بالنفط، محور نزاع حدودي طويل الأمد بين غويانا وفنزويلا. تطالب فنزويلا بالسيادة على هذا الإقليم، مستندة إلى تفسيرات تاريخية وقانونية مختلفة. وقد تصاعد هذا النزاع مؤخرًا بعد اكتشافات النفط الضخمة في المنطقة البحرية المتنازع عليها.
أجرت فنزويلا استفتاءً شعبيًا في ديسمبر/كانون الأول 2023، أيدت فيه المطالبة بإقليم إيسكويبو. وقد أثار هذا الاستفتاء مخاوف دولية بشأن استقرار المنطقة، واحتمال نشوب صراع مسلح. تعتمد غويانا على محكمة العدل الدولية للبت في هذا النزاع.
من المتوقع أن تستمر المفاوضات الدبلوماسية والمساعي القانونية لحل هذا النزاع. مع ذلك، لا يزال مستقبل إقليم إيسكويبو غير واضح، ويتوقف على النتائج التي ستتوصل إليها محكمة العدل الدولية ومفاوضات الطرفين.
في الختام، تمر غويانا بمرحلة تاريخية من التحول الاقتصادي والسياسي. ومع تزايد إنتاجها النفطي، تزداد أهميتها على الساحة العالمية. ومع ذلك، يجب على البلاد أن تتغلب على التحديات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية التي تواجهها لضمان مستقبل مستدام ومزدهر لجميع مواطنيها. وتركز الأعين الآن على قرار محكمة العدل الدولية بشأن إقليم إيسكويبو، الذي قد يكون له تأثير كبير على مستقبل البلاد والمنطقة.













