حذر تقرير المخاطر العالمية الصادر عام 2026 من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة تتميز بتصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، بالتزامن مع استمرار تباطؤ النمو العالمي وتراجع التوقعات المتعلقة بخلق فرص العمل. ويشير التقرير إلى أن التوترات التجارية المتزايدة والرسوم الجمركية المتبادلة بين الدول تمثل ضغوطًا متزايدة على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
التقرير، الذي تم إصداره بالتزامن مع فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، يعتمد على مسح شمل آراء أكثر من 1300 خبير عالمي من مختلف القطاعات، بالإضافة إلى تحليل مفصل للبيانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويُعد هذا التقرير من أهم الدراسات الاستشرافية التي تسلط الضوء على التحديات المستقبلية.
مخاطر متصاعدة على الاقتصاد العالمي
أظهر التقرير أن “التصادم الجيو-اقتصادي” قد أصبح التحدي الأكبر الذي يواجه العالم، متجاوزًا بذلك خطر الصراع المسلح الذي كان يمثل القلق الرئيسي في السنوات الماضية. يشمل هذا التصادم فرض قيود تجارية، وحواجز جمركية، والسيطرة المتزايدة على سلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب التقرير، فإن هذه التطورات ستؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي وزيادة احتمالات حدوث ركود اقتصادي. وتدعم هذه التوقعات تقديرات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% فقط، وهو مستوى أقل من متوسط النمو الذي شهده العقدان الماضيان.
تأثير التوترات التجارية
تُعد التوترات التجارية المستمرة بين القوى الاقتصادية الكبرى أحد المحركات الرئيسية لهذا التصادم الجيو-اقتصادي. تؤدي هذه التوترات إلى عدم اليقين في الأسواق العالمية وتعطيل التجارة والاستثمار.
بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى أن المخاطر السياسية والاجتماعية تحتل المرتبة الثانية، مدفوعة بتزايد حدة عدم المساواة في توزيع الثروات والفرص الاقتصادية. هذه الفجوة المتزايدة يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار.
التقدم التكنولوجي وتحدياته
كما صنّف التقرير المخاطر التكنولوجية والرقمية في المرتبة الثالثة، وذلك في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي. على الرغم من الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، إلا أنه يطرح تحديات كبيرة تتعلق بالأمن السيبراني، وانتشار المعلومات المضللة، والتغيرات المحتملة في سوق العمل.
وتشير البيانات إلى أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يرتفع بأكثر من 40% ليصل إلى حوالي 2.5 تريليون دولار خلال العام المقبل، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات في الخوادم والبرمجيات.
المخاطر البيئية والمناخية
في المقابل، تراجعت المخاطر البيئية والمناخية إلى المرتبة الرابعة، على الرغم من استمرار خطورتها. حذر معهد بوتسدام الألماني من أن تغير المناخ قد يتسبب في خسارة حوالي خُمس الدخل العالمي خلال الـ 25 عامًا القادمة.
ومع ذلك، يرى التقرير أن المخاطر البيئية لا تزال تمثل تهديدًا طويل الأجل للاقتصاد العالمي، وأن الاستثمار في التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه أمر ضروري.
تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي
أكد مارك إلسنر، كاتب ومحرر تقرير المخاطر العالمية، في تصريحات للصحافة، أن المواجهة الجيو-اقتصادية لم تعد تقتصر على الأدوات التقليدية مثل الرسوم الجمركية. بل أصبحت تشمل التحكم في الصادرات، وفرض قيود على الواردات، وتقييد تصدير التكنولوجيا المتقدمة.
وأضاف إلسنر أن تصدر هذا النوع من المواجهة قائمة المخاطر لعام 2026 يعكس تأثيره المباشر على المدى القريب، بينما تبقى المخاطر المناخية الأخطر على المدى البعيد. ويرى أن هذه المخاطر ذات طابع عالمي وإقليمي، ولا تقتصر على الدول المتقدمة، بل تمتد آثارها إلى الدول النامية.
في الختام، يشير التقرير إلى أن تصاعد المخاطر الجيو-اقتصادية، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم، قد يؤدي إلى فترة من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي خلال العامين المقبلين. ويتطلب ذلك استجابة دولية منسقة لمعالجة هذه التحديات. من المتوقع أن يناقش قادة العالم هذه النتائج في اجتماعات قادمة، وأن يتم وضع خطط للتعامل مع هذه المخاطر المحتملة. يبقى من الضروري مراقبة التطورات الجيوسياسية والاقتصادية عن كثب لتقييم مدى تأثيرها على الاقتصاد العالمي.













