بعد سنوات من الجفاف الطويل، تشهد قرية إزغيرة بإقليم وزان، شمال المغرب، ومناطق واسعة أخرى في الشمال، أمطارا غزيرة ومتواصلة منذ أكثر من أسبوعين. هذه الأمطار الغزيرة تثير آمالا كبيرة في تحسين الوضع المائي وتخفيف آثار الجفاف على الزراعة والاقتصاد المحلي، لكن هل ستكون كافية لإنعاش الموارد المتدهورة؟
يقول عبد الرحمن المومني، أحد سكان قرية إزغيرة، إن هذه الأمطار المستمرة أعادت إلى الأذهان سنوات الوفرة التي كانت تشهدها المنطقة، حيث كانت الوديان تجري بغزارة وتغذي الأراضي الزراعية والمخزون المائي. ويعبر عن سعادته بعودة الحياة إلى وديان القرية التي جفت، وإلى الأراضي التي أنهكها العطش.
الوضع المائي في المغرب: تحسن ملحوظ مع تحديات مستمرة
الأمطار الأخيرة أدت إلى ارتفاع ملموس في منسوب المياه في العديد من السدود الرئيسية في المغرب، بما في ذلك سد الوحدة، أكبر سدود المملكة. ووفقا لبيانات مديرية الأرصاد الجوية، فقد شهدت السدود ارتفاعا في الواردات المائية، مما يعزز المخزون المائي بشكل عام.
يوضح محمد بنعبو، الخبير في الموارد المائية، أن حوضي اللوكوس وسبو هما الأكثر استفادة من الأمطار الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع ملء بعض السدود الكبرى والمتوسطة. ومع ذلك، يشير بنعبو إلى أن هذا التحسن ليس شاملا، وأن أحواضا مثل أم الربيع وسوس ماسة لا تزال تعاني من ضعف ملء السدود.
ويضيف بنعبو أن التوزيع الجغرافي للأمطار غير متكافئ، حيث تركزت الأمطار بشكل كبير في شمال وغرب المملكة، مما يعني أن بعض المناطق لا تزال بحاجة إلى المزيد من الأمطار لتحسين المخزون المائي.
تأثير الأمطار على القطاع الزراعي
تأخر موسم قطاف الزيتون بسبب الأمطار الغزيرة، حيث يضطر المزارعون إلى الانتظار حتى تتحسن الأحوال الجوية لاستكمال جمع المحصول الذي كان متوقعا أن يكون قياسيا. هذا التأخير يثير قلقا بشأن جودة الزيتون وتكلفة الإنتاج.
بالإضافة إلى الزيتون، فإن الأمطار الغزيرة ستؤثر على محاصيل أخرى مثل الحبوب والبقوليات، حيث من المتوقع أن تزيد من إنتاجيتها وتحسن جودتها. ومع ذلك، فإن هذا يعتمد على استمرار هطول الأمطار بشكل منتظم خلال الأشهر المقبلة.
الآفاق الاقتصادية وتحديات الاستدامة
يرى الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، إدريس الفينة، أن الأمطار الأخيرة ستعزز النمو الاقتصادي في المناطق القروية، وستوفر فرص عمل موسمية في قطاع الزراعة. كما يتوقع أن تنخفض كلفة الأعلاف وتحسن المراعي، مما يخفف الضغط على مربي الماشية.
ويقدر الفينة أن الأمطار الأخيرة قد ترفع الناتج الإجمالي للقرى بما بين 8 و12 مليار درهم، وتقلص الهشاشة والفقر في البادية بنسبة تتراوح بين 1 و1.5 نقطة مئوية. ومع ذلك، يؤكد الفينة أن هذه المكاسب تظل هشة في غياب سياسات عمومية قادرة على تحويل التحسن المناخي إلى أثر اجتماعي مستدام.
ويشير الفينة إلى أن التغير المناخي يمثل تحديا كبيرا للمغرب، وأن الأمطار الغزيرة لا تكفي لتعويض سنوات الجفاف الطويلة. ويؤكد على ضرورة تبني استراتيجيات متكاملة لإدارة الموارد المائية، وتعزيز كفاءة استخدام المياه في الزراعة والصناعة.
بالإضافة إلى ذلك، يرى الفينة أن هناك حاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية المائية، مثل السدود والقنوات والتحلية، لزيادة المخزون المائي وتلبية الطلب المتزايد على المياه.
في الختام، على الرغم من أن الأمطار الأخيرة تمثل بارقة أمل للمغرب، إلا أن التحديات المائية لا تزال قائمة. من المتوقع أن تقوم الحكومة بتقييم شامل للوضع المائي خلال شهر مارس القادم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استدامة الموارد المائية وتحقيق الأمن المائي في البلاد. يبقى الوضع قابلا للتطور بناء على كميات الأمطار التي ستتساقط خلال الأشهر القادمة.













