بعد إغلاق استمر لأكثر من عامين بسبب الحرب، افتتح المتحف القومي السوداني في الخرطوم أبوابه مجدداً، ولكن هذه المرة بشكل افتراضي. يأتي هذا الافتتاح بعد جهود مكثفة لإعادة بناء مجموعات المتحف التي تعرضت للنهب والتدمير خلال الأشهر الأولى من الصراع الدائر في السودان منذ أبريل/نيسان 2023. يهدف المتحف الافتراضي إلى الحفاظ على الذاكرة الثقافية والتاريخية للسودان في ظل الظروف الصعبة.
كان المشهد داخل المتحف مروعاً بعد استعادة الجيش السيطرة على وسط الخرطوم في مارس/آذار 2025. فقد اختفت عشرات الآلاف من القطع الأثرية التي كانت تحكي قصة الحضارات المتعاقبة في وادي النيل. لم يتبق سوى القليل مما يصعب نقله، مثل جداريات معبد أسوان وتمثال الملك تهارقا الضخم، الذي يقف وحيداً في فناء المتحف كرمز للصمود في وجه الكارثة.
رصد أعمال النهب في المتحف القومي السوداني
أظهرت صور الأقمار الاصطناعية في وقت سابق، شاحنات محملة بالآثار وهي تغادر المتحف باتجاه إقليم دارفور. ومع ذلك، لم تسفر التحقيقات التي أجريت بالتعاون مع “الإنتربول” عن استعادة عدد كبير من القطع المنهوبة حتى الآن. وتواجه جهود استعادة الآثار تحديات لوجستية وأمنية كبيرة بسبب استمرار القتال في مناطق مختلفة من البلاد.
وقالت إخلاص عبد اللطيف، رئيسة لجنة استعادة الآثار المنهوبة ومسؤولة المتاحف في الهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية، إن الخيار الافتراضي كان الحل الوحيد الممكن للحفاظ على التراث السوداني. وأضافت أن المشروع يحظى بدعم كبير من مؤسسات دولية مرموقة، مثل متحف اللوفر الفرنسي وجامعة درم البريطانية.
إعادة بناء المجموعات الأثرية
ركزت جهود إعادة فتح المتحف على إنشاء نسخة رقمية من مجموعاته المفقودة. عملت الباحثة وعالمة الآثار لأكثر من عام على تجميع المعلومات من مصادر مختلفة، بما في ذلك القوائم الرسمية المجتزأة والدراسات الأكاديمية والصور القديمة. هذا العمل الدقيق يهدف إلى توفير سجل شامل للقطع الأثرية التي كانت موجودة في المتحف.
بالتوازي مع ذلك، قام مصمم جرافيكي بإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد للمتحف وقاعاته، مستنداً إلى المخططات الأصلية والصور الفوتوغرافية. تهدف هذه النماذج إلى إحياء تجربة زيارة المتحف، وتقديمها للجمهور عبر الإنترنت. كما سيتم تضمين معلومات تفصيلية عن كل قطعة أثرية في هذه النسخة الافتراضية.
الزيارات الافتراضية والتراث السوداني
منذ الأول من يناير/كانون الثاني، أصبح بإمكان الزوار من جميع أنحاء العالم استكشاف المتحف القومي السوداني عبر الإنترنت. يتيح الموقع الجديد الوصول إلى القطع الأثرية المجمعة من المواقع الأثرية في وادي النيل، في بيئة رقمية تفاعلية. تعتبر هذه الخطوة مهمة للحفاظ على التراث السوداني وإتاحة الفرصة للجمهور للتعرف عليه.
تخطط الجهات المسؤولة لإضافة “الغرفة الذهبية” الشهيرة إلى النسخة الافتراضية في أواخر عام 2026. ستعرض هذه الغرفة الرقمية الحُلي والقطع الذهبية الثمينة التي نهبها اللصوص، مما يتيح للجمهور رؤية هذه الكنوز المفقودة والتعرف على قيمتها التاريخية. هذا الإجراء يهدف إلى توثيق الخسائر التي لحقت بالمتحف، ورفع مستوى الوعي بأهمية حماية التراث الثقافي.
اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى أزمة إنسانية واقتصادية حادة. اتهمت الحكومة قوات الدعم السريع بتدمير الآثار ونهب المقتنيات الثمينة، واعتبرت ذلك جريمة حرب. في المقابل، تنفي قوات الدعم السريع هذه الاتهامات. تعتبر هذه الأحداث بمثابة مأساة للتراث السوداني، وتتطلب جهوداً دولية مكثفة لحمايته واستعادته.
أصدرت منظمة اليونسكو نداءً عالمياً في نهاية العام الماضي، داعيةً إلى الامتناع عن الاتجار بالقطع الأثرية السودانية. وشددت المنظمة على أهمية حماية التراث الثقافي، وضرورة إعادة القطع المنهوبة إلى السودان. تعتبر هذه المبادرة خطوة مهمة في جهود حماية التراث السوداني، وتتطلب تعاوناً دولياً واسع النطاق.
من المتوقع أن تستمر الجهود المبذولة لإعادة بناء المجموعات الأثرية واستعادة القطع المنهوبة. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تواجه هذه الجهود، بما في ذلك استمرار القتال في السودان، وصعوبة تتبع الآثار المنهوبة. سيكون من المهم مراقبة التطورات الأمنية والسياسية في السودان، وتقييم تأثيرها على جهود حماية التراث الثقافي.













