أعلن فريق دولي من العلماء، بالاعتماد على بيانات مُجمعة من تلسكوب هابل الفضائي، عن اكتشاف نوع جديد من الأجسام الفلكية: سحابة غازية ضخمة غنية بالـمادة المظلمة، ولكنها تفتقر تمامًا إلى النجوم. يُعتقد أن هذه السحابة، التي أُطلق عليها اسم “كلاود-9” (Cloud-9)، تمثل بقايا من المراحل المبكرة لتشكيل المجرات والتي فشلت في إتمام عملية التكوين.
يأتي هذا الاكتشاف الهام بعد سنوات من البحث النظري، ويُقدم دليلًا مرئيًا على وجود ما يُعرف باسم “المجرات الفاشلة”. تم نشر نتائج هذا البحث في مجلة “رسائل الفيزياء الفلكية” (The Astrophysical Journal Letters) وقُدمت في مؤتمر صحفي في مدينة فينيكس بولاية أريزونا في 6 يناير/كانون الثاني 2025.
اكتشاف المادة المظلمة: نافذة على الكون المبكر
يُمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة في فهم طبيعة الـمادة المظلمة، التي تشكل الجزء الأكبر من كتلة الكون، ولكنها لا تتفاعل مع الضوء، مما يجعل رصدها أمرًا صعبًا للغاية. يقول الباحث الرئيسي في الدراسة، أليخاندرو بينيتيز-لامباي من جامعة ميلانو-بيكوكا في إيطاليا، إن هذا الاكتشاف يعطينا نظرة فريدة على عملية تكوين المجرات، حتى عندما لا تنجح هذه العملية.
خصائص سحابة كلاود-9
تقع سحابة “كلاود-9” على بعد حوالي 14 مليون سنة ضوئية من الأرض، ويبلغ قطرها ما يقرب من 4900 سنة ضوئية. تتكون السحابة بشكل رئيسي من غاز الهيدروجين المحايد، حيث تقدر كتلة الغاز بحوالي مليون مرة كتلة الشمس. ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من كتلة السحابة يرجع إلى الـمادة المظلمة، والتي تقدر بحوالي خمسة مليارات مرة كتلة الشمس.
أكد أندرو فوكس من معهد علوم تلسكوب الفضاء أن هذه السحابة تمثل “نافذة نادرة على الكون المظلم”. وأوضح أن حساسية تلسكوب هابل كانت حاسمة في تأكيد غياب النجوم داخل السحابة، وهو ما كان يمكن أن يؤدي إلى تصنيفها بشكل خاطئ على أنها مجرة قزمة خافتة.
أهمية رصد المجرات الفاشلة
يُصنف هذا النوع من الأجسام الفلكية ضمن فئة “ريلهيك” (RELHIC)، وهي اختصار لسحابة من الهيدروجين المحايد. هذه السحب تمثل بقايا بدائية من الكون المبكر لم تتمكن من تجميع كمية كافية من المادة لتكوين نجوم. ويرى العلماء أن فهم هذه “المجرات الفاشلة” يمكن أن يساعد في شرح التنوع الذي نراه في المجرات اليوم.
تم اكتشاف “كلاود-9” في البداية من خلال مسح راديوي باستخدام تلسكوب “فاست” (FAST) الصيني العملاق، وتم تأكيدها لاحقًا من خلال مرصدي “غرين بانك” و”شبكة التلسكوب الراديوي الكبير جدا”. ولكن تلسكوب هابل كان الوحيد القادر على توفير الدليل القاطع على خلوها من النجوم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن دراسة هذه السحب الغازية الغنية بالمادة المظلمة تفتح آفاقًا جديدة للبحث عن طبيعة الكون وتطوره. هذا يمثل تحولًا في التركيز لتضمين دراسة الغاز بالإضافة إلى النجوم.
تأثيرات على فهمنا للكون
تُشير الاكتشافات إلى احتمال وجود عدد كبير من الهياكل المماثلة غير المرصودة في الكون. إن فهم كيف ولماذا تفشل بعض هذه السحب في تكوين مجرات يمكن أن يوفر رؤى قيمة حول الظروف اللازمة لتشكيل المجرات.
من الممكن أن تساعد دراسة هذه الأجسام، جنبًا إلى جنب مع الملاحظات المستقبلية من التلسكوبات الجديدة، في حل بعض الألغاز الكبرى في علم الكونيات، مثل طبيعة الطاقة المظلمة وتوزيع المادة في الكون.
يعتقد العلماء أن هذه السحابة هي دليل على أن تكوّن المجرات ليس دائمًا عملية ناجحة، وأن هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى فشل هذه العملية. بالإضافة إلى ذلك، تساعد في فهم تطور المجرات.
يُذكر أن تلسكوب هابل الفضائي، وهو نتاج تعاون دولي بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، يواصل تقديم بيانات قيّمة تعيد تشكيل فهمنا للكون بعد أكثر من ثلاثة عقود من التشغيل.
من المتوقع أن تستمر الفرق البحثية في تحليل بيانات “كلاود-9” ومتغيراتها المحتملة في السنوات القادمة، بهدف الحصول على فهم أعمق لخصائصها وتأثيرها على البيئة المحيطة بها. سيراقب العلماء أيضًا المنطقة التي اكتشفت فيها “كلاود-9” بحثًا عن هياكل مماثلة، معتمدين على قوة تلسكوب هابل والمراصد الراديوية الأخرى. يبقى تحديد العدد الفعلي للمجرات الفاشلة في الكون تحديًا كبيرًا، ولكنه يمثل هدفًا رئيسيًا للبحث المستقبلي في مجال علم الفلك.













