يُعد فيلم “ضايل عنا عرض” للمخرجة المصرية مي سعد والمصور الفلسطيني أحمد الدنف عملاً وثائقياً فريداً يسلط الضوء على قدرة فريق “سيرك غزة الحر” على الصمود وتقديم الفرح للأطفال في قطاع غزة، وسط الظروف الإنسانية الصعبة والحرب المستمرة. الفيلم، الذي حصد جوائز مرموقة، يقدم منظوراً إنسانياً مؤثراً عن المقاومة من خلال الفن، ويُظهر كيف يمكن للبهجة أن تكون سلاحاً في مواجهة الإبادة.
شهد الفيلم إقبالاً كبيراً من الجمهور والنقاد على حد سواء، حيث فاز بجائزة الجمهور “يوسف شريف رزق الله” في مهرجان القاهرة السينمائي، بالإضافة إلى جائزتي الجمهور وأفضل إنتاج في مهرجان روما الدولي للأفلام الوثائقية. يعكس هذا التقدير القيمة الفنية والإنسانية للفيلم، وقدرته على إيصال رسالة قوية عن الصمود والأمل.
“ضايل عنا عرض”: توثيق المقاومة بالفرح في غزة
بدأت فكرة الفيلم كمشروع توثيقي صوتي، بهدف جمع شهادات من سكان غزة حول تجربتهم في ظل الحرب. ومع بدء تصاعد الأحداث في أكتوبر الماضي، شعرت المخرجة مي سعد بالعجز أمام حجم المأساة، ورأت في مبادرة “سيرك غزة الحر” قصة تستحق أن تُروى. لاحقاً، تطورت الفكرة إلى عمل بصري يركز على يوميات أعضاء السيرك وجهودهم المستمرة لإدخال البهجة إلى قلوب الأطفال.
واجهت مي صعوبة في العثور على فريق تصوير داخل غزة، نظراً للظروف الأمنية القاسية. ولكنها وجدت في المصور الفلسطيني أحمد الدنف الشريك المثالي، الذي شاركها الإخراج وقدم دعماً لوجستياً وفنياً كبيراً. كما ساهم المصوران يوسف ومحمود المشهراوي في تنفيذ العمل الميداني.
تحديات التصوير في ظل الحرب
لم يكن تصوير الفيلم مهمة سهلة، حيث واجه الفريق العديد من التحديات، بما في ذلك صعوبة التنقل بسبب القصف المستمر، وانقطاع التيار الكهربائي، وضعف شبكات الاتصال. يقول أحمد الدنف إن عملية رفع المواد المصورة عبر الإنترنت كانت تستغرق أسابيع بسبب ضعف الاتصال.
بالإضافة إلى ذلك، كان الفريق يضطر إلى التصوير في ظروف خطرة، مع الأخذ في الاعتبار سلامة أعضاء السيرك والفريق. وقد تعرض منزل الدنف للقصف، مما أدى إلى فقدان جزء كبير من معداته، ولكنه استمر في التصوير باستخدام أدوات بسيطة.
التركيز على الجانب الإنساني
اتفق المخرجان على تبني أسلوب تصوير “المراقب”، أي عدم التدخل في أحداث القصة وترك الكاميرا تسجل يوميات أعضاء السيرك بشكل طبيعي. يهدف هذا الأسلوب إلى إبراز الجانب الإنساني للتجربة، وإظهار قدرة هؤلاء الأشخاص على الصمود والتكيف مع الظروف الصعبة.
وتجنب الفيلم عرض مشاهد عنف مفرطة أو دماء، وركز بدلاً من ذلك على اللحظات الإيجابية التي يخلقها فريق السيرك للأطفال. توضح مي سعد أن الهدف من ذلك هو تقديم صورة مختلفة عن غزة، بعيداً عن الصور النمطية التي تقتصر على الدمار والمعاناة. كما أن الفيلم يركز على أهمية الفن والثقافة في بناء مجتمع قوي ومقاوم.
الفيلم لا يقتصر على توثيق عروض السيرك، بل يتعمق في حياة أعضائه، ويكشف عن أحلامهم وطموحاتهم وتحدياتهم اليومية. يظهر الفيلم كيف أن السيرك ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أيضاً مكان للتعلم والتعبير عن الذات وبناء الثقة بالنفس.
يُظهر الفيلم أيضاً الدور الحيوي الذي يلعبه “سيرك غزة الحر” في المجتمع المحلي، حيث يقدم عروضاً مجانية للأطفال في المدارس والمخيمات، وينظم ورش عمل لتعليمهم فنون السيرك. ويعتبر السيرك ملاذاً آمناً للأطفال، حيث يمكنهم أن ينسوا قسوة الحرب وأن يستمتعوا بلحظات من الفرح والبهجة.
تأتي أهمية الفيلم في توثيقه لقصة فريدة من نوعها، وهي قصة فريق يواصل عمله في ظل ظروف استثنائية. كما أن الفيلم يساهم في رفع الوعي بالقضية الفلسطينية، وإبراز معاناة الشعب الفلسطيني وتحدياته. ويعتبر الفيلم إضافة قيمة إلى السينما العربية والفلسطينية، ويستحق المشاهدة والتقدير.
من المتوقع أن يستمر عرض فيلم “ضايل عنا عرض” في العديد من المهرجانات السينمائية حول العالم، وأن يحظى بإقبال كبير من الجمهور. كما من المرجح أن يتم توزيع الفيلم تجارياً في المستقبل القريب، مما سيسمح لعدد أكبر من المشاهدين بمشاهدته. ويبقى مستقبل السينما الفلسطينية واعداً، مع ظهور جيل جديد من المخرجين والمصورين الذين يسعون إلى تقديم قصصهم للعالم.













