يشهد المشهد الثقافي العربي تحولاً ملحوظاً، حيث يبدو مستقبل الثقافة مرهوناً بشكل متزايد بمهارات التسويق والتسليع التي يتقنها المشاهير، خاصة في عالم التواصل الاجتماعي المتغير باستمرار. هذه الظاهرة تثير تساؤلات حول دور المؤسسات الثقافية التقليدية وقدرتها على المنافسة في هذا الفضاء الرقمي الجديد، وتأثير ذلك على الهوية والانتماء الثقافي.
تزايد تأثير المشاهير على المشهد الثقافي يثير قلق المثقفين والباحثين، الذين يرون أن التركيز على الشهرة والانتشار السريع قد يؤدي إلى تهميش القيم الثقافية الأصيلة والمعرفة العميقة. هذا التحول يطرح تحديات كبيرة أمام المؤسسات الثقافية العربية، التي تسعى إلى الحفاظ على دورها في تعزيز الهوية الثقافية وتنمية الوعي المجتمعي.
تأثير ميديا المشاهير على الثقافة العربية
يرى الناقد أسامة بن يحيى الواصلي أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الثقافة ترهن مستقبلها لميديا المشاهير، بل ما إذا كانت الثقافة تمتلك اليوم آلية تداول تنافس آلية المشاهير. يشير الواصلي إلى أن آلية التداول تعني الطريقة التي تنتشر بها الأفكار وتكتسب الشرعية، وكيف تتحول المعرفة إلى حضور عام مؤثر. تاريخياً، كانت الثقافة تنتصر ليس فقط لقوة مضمونها، ولكن أيضاً لقدرتها على امتلاك مؤسسات التوزيع والشرعية مثل دور النشر والمجلات والجامعات والمنابر النقدية.
الفراغ المؤسسي وتأثير المنصات الرقمية
ويؤكد الواصلي أن المشكلة لا تكمن في ميديا المشاهير كفضاء جديد، بل في الفراغ المؤسسي الذي تركته الثقافة خلفها. ويضيف أن الثقافة لا تهزم بسبب سطوع المشهور، بل لأنها فقدت آليات حماية المعنى من التحول إلى عرض موسمي. هذه الآليات تشمل معايير الاعتماد والتقييم ومؤسسات الفرز. عندما تضعف هذه البنية، يصبح السؤال ليس من الأعمق، بل من الأسرع انتشاراً، مما يجعل المنصة محكمة بلا قاضٍ وسوقاً بلا موازين.
ويحذر الواصلي من دخول المثقف إلى فضاء المشاهير، معتبراً أن ذلك قد يوهمهم بتسويق الفكرة، بينما هم في الواقع يزودون الخوارزمية بما تريده ويضيفون وقوداً لآلة تكافئ الاستهلاك لا العمق. يؤكد أن الثقافة تُستعمل كزينة للواجهة، لا كقوة للتغيير، وتُستدعى كإقتباس يلمع المشهد، لا كسؤال يربك اليقين.
التوازن بين الشهرة والقيمة الثقافية
من جهته، يرى الكاتب مفلح البلوي أن الشهرة كانت دائماً مرتبطة بالإجادة في الثقافة والأدب، وأن المشهور غالباً ما يكون مجيداً في مجاله. ويعتبر أن المنابر الثقافية يجب أن تستضيف المشاهير لزيادة رفعتها وجعلهم رافداً لها. لكنه يشير إلى أن المعادلة قد انقلبت في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المنابر الثقافية الرسمية والتجارية تتنازل عن معاييرها وتفتح أبوابها للمشاهير بغض النظر عن مستواهم الثقافي.
ويتساءل البلوي عما إذا كان هذا التماهي مع معيار الشهرة مجرد مرحلة إنعاش مؤقتة، أم هو تخلٍ نهائي عن دور القيادة للحراك الثقافي. ويضيف أن الثقافة قد تصبح تابعة لميديا المشاهير، وتشاركها الانحدار بدلاً من أن ترتقي بها.
دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الثقافة
أما المسرحي أحمد السروي فيؤكد على الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي كمنصات عصرية لنقل المعلومة وتعزيز الحضور الثقافي. لكنه يرى أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية توظيف هذه الوسائل، خاصة في ظل التحولات التي طالت الفضاء الرقمي وممارسات بعض من يدعون الشهرة. ويحذر من تسطيح الثقافة وتزييفها وتجريدها من أسئلتها الكبرى لصالح محتوى سريع وعابر.
ويرى أن رهن الثقافة لمشاهير الميديا لا يحدث بقرار رسمي، بل يتسلل عبر موقف شخصي يبحث عن صناعة جماهيرية مزيفة. ويؤكد على أهمية إدارة الثقافة بوعي نقدي يستثمر أدوات العصر دون الخضوع لمنطقها الاستهلاكي.
الشاعر عبدالرحمن سابي يشدد على ضرورة البحث عن المثقف الجاد وتقديمه والعناية به، كونه الضامن لإيجابية الممارسة الثقافية المجتمعية. ويحذر من غلبة ثقافة الرمز والصورة على حساب المعرفة الحقيقية.
الناقدة مريم الغبان تؤكد أن زمن التهافت على الشهرة أدى إلى اعتبار المشهور “عبقري الزمان”، وغدت خوارزميات “نظام التفاهة” أبواقاً تروج الشهرة على حساب القيمة. وتحذر من أن الثقافة قد تُستغل كبضاعة استهلاكية، وأن المعرفة قد تُستبدل بالسطحية.
المشهد الثقافي العربي يواجه تحديات كبيرة في ظل تأثير ميديا المشاهير. المستقبل يتطلب إعادة النظر في دور المؤسسات الثقافية التقليدية وتطوير آليات جديدة لتعزيز الهوية الثقافية وتنمية الوعي المجتمعي. من المتوقع أن تشهد الفترة القادمة نقاشات مكثفة حول هذه القضايا، وأن يتم اتخاذ خطوات عملية لتعزيز دور الثقافة في المجتمع. يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الثقافة العربية على استعادة مكانتها في مواجهة سطوة الشهرة والانتشار السريع.













