في تطور مثير للاهتمام، يقترح فريق دولي من الفيزيائيين استخدام مفاعلات الاندماج النووي، التي طالما اعتبرت مفتاحًا لمستقبل الطاقة النظيفة، كمصانع محتملة لجسيمات غامضة مرتبطة بالمادة المظلمة. تأتي هذه الفكرة كاستخدام جانبي غير تقليدي للتكنولوجيا المتقدمة، وقد تفتح آفاقًا جديدة في فهم أحد أكبر ألغاز الكون.
الدراسة، التي نُشرت في دورية “جورنال أوف هاي إنرجي فيزكس” بمشاركة باحثين من مختلف أنحاء العالم، تقدم مسارًا نظريًا لإنتاج جسيمات شبيهة بالأكسيونات داخل مفاعلات الاندماج القائمة على تفاعلات الديوتيريوم والتريتيوم. يعتمد هذا الاقتراح على الخصائص الفريدة للتفاعلات النووية التي تحدث داخل هذه المفاعلات.
ما هي المادة المظلمة؟
تشكل المادة المظلمة حوالي 85% من مادة الكون الإجمالية، إلا أنها لا تتفاعل مع الضوء أو أي إشعاع كهرومغناطيسي، مما يجعلها غير مرئية لنا بشكل مباشر. يكتشف العلماء وجودها من خلال تأثيرات جاذبيتها على المادة المرئية، مثل دوران المجرات وحركة النجوم.
الأكسيونات، من ناحية أخرى، هي جسيمات افتراضية دون ذرية تعتبر مرشحة قوية لتفسير طبيعة المادة المظلمة. تتميز بكتلة صغيرة جدًا وتفاعل ضعيف للغاية مع المادة العادية، مما يجعل اكتشافها تحديًا كبيرًا.
كيف يمكن لمفاعلات الاندماج المساعدة في الكشف عن المادة المظلمة؟
مفاعلات الاندماج النووي، على غرار الشمس، تسعى إلى توليد الطاقة من خلال دمج نوى ذرات خفيفة مثل الديوتيريوم والتريتيوم. تنتج هذه التفاعلات كميات هائلة من الطاقة على شكل نيوترونات سريعة للغاية.
ولأن مفاعلات الاندماج تحتاج إلى وقود التريتيوم بشكل مستمر، فإنها تستخدم غلافًا من الليثيوم حول قلب المفاعل. هذا الغلاف يلتقط النيوترونات ويحولها إلى تريتيوم جديد، مما يضمن استمرار التفاعل. ولكن، هذه العملية تخلق أيضًا بيئة غنية بالتفاعلات النووية داخل الغلاف.
وفقًا للدراسة، قد تؤدي هذه التفاعلات النووية إلى إثارة بعض النوى الذرية إلى حالات طاقة أعلى. عندما تعود هذه النوى إلى حالتها المستقرة، فإنها تطلق طاقة على شكل إشعاع. في معظم الحالات، يكون هذا الإشعاع عبارة عن فوتونات ضوئية، ولكن الباحثين يقترحون أنه في بعض الحالات النادرة، قد يتخذ شكل جسيمات جديدة مثل الأكسيونات أو جسيمات مشابهة لها.
التحديات والآفاق المستقبلية
يكمن التحدي الرئيسي في رصد هذه الجسيمات النادرة. نظرًا لتفاعلها الضعيف للغاية، فإنها قد تهرب من المفاعل دون أن تتفاعل مع أي مادة، مما يجعل اكتشافها أمرًا صعبًا للغاية.
ومع ذلك، يقترح الباحثون استخدام كواشف متخصصة مصممة لالتقاط إشارات ضعيفة جدًا. تشمل هذه الكواشف تلك التي تعتمد على تفاعلات الديوتيريوم أو تقنيات أخرى قادرة على الكشف عن الجسيمات الخفيفة جدًا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام المجال المغناطيسي القوي داخل المفاعل لتحويل الأكسيونات إلى إشارات قابلة للكشف.
هذا البحث يمثل تحولًا في طريقة التفكير حول مفاعلات الاندماج. فبدلاً من اعتبارها مجرد مصادر للطاقة، يمكن اعتبارها أيضًا أدوات علمية قوية قادرة على استكشاف أسرار الكون.
في المستقبل القريب، سيتركز العمل على تطوير نماذج نظرية أكثر دقة للتفاعلات النووية داخل مفاعلات الاندماج، وتصميم كواشف أكثر حساسية. من المتوقع أن يتم إجراء تجارب عملية في غضون السنوات القليلة القادمة، بهدف البحث عن إشارات تدل على وجود المادة المظلمة. نجاح هذه التجارب سيعتمد على دقة النماذج النظرية وكفاءة الكواشف المستخدمة، ويبقى هذا المجال مفتوحًا للعديد من الاحتمالات والنتائج غير المتوقعة.













