في الشتاء، لا يكون المنخفض الجوي الذي يضرب منطقتنا العربية مجرد خبر طقس عابر، بل ظاهرة ذات أثر قد يكون ضاربًا. هذه الأنظمة الجوية، التي تتسبب في هطول الأمطار الغزيرة والرياح القوية، تتكرر سنويًا في منطقة شرق المتوسط، ولكنها تكتسب خطورة مضاعفة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تشهدها مناطق مثل غزة وشمال سوريا، حيث يعيش الكثيرون في مأوى غير مناسب.
علميًا، المنخفض الجوي هو نظام ضغط جوي منخفض يغير حركة الهواء والرطوبة. لكن الأثر الإنساني يتجاوز الوصف العلمي، خاصةً عندما يضرب مناطق تعاني بالفعل من أزمات، مما يؤدي إلى تفاقم الظروف المعيشية وزيادة المخاطر على السكان.
ما هو المنخفض الجوي؟
الضغط الجوي هو وزن عمود الهواء فوق نقطة ما. عندما يتشكل منخفض جوي، أي منطقة يكون فيها الضغط أقل من المناطق المحيطة، ينجذب الهواء من المناطق ذات الضغط الأعلى نحو مركز المنخفض. هذا التدفق للهواء يؤدي إلى صعوده، وعندما يرتفع الهواء، يبرد ويتكثف بخار الماء فيه، مما يتسبب في تشكل السحب والأمطار.
الفرق الكبير في الضغط الجوي بين المنخفض والمناطق المحيطة به يؤدي إلى نشاط الرياح. وكلما زاد هذا الفرق، زادت قوة الرياح. في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، تدور الرياح حول المنخفض عكس اتجاه عقارب الساعة بسبب تأثير كوريوليس، مما يساعد على تنظيم أنماط الرياح والجبهات الهوائية التي تعزز هطول الأمطار.
شتاء شرق البحر المتوسط والمنخفضات الجوية
الشتاء في منطقة شرق البحر المتوسط هو موسم المنخفضات الجوية. يعود ذلك إلى عدة عوامل، بما في ذلك زيادة فارق الحرارة بين مناطق الشمال والجنوب، مما يخلق بيئة مواتية لتطور الاضطرابات الجوية. بالإضافة إلى ذلك، تنشط ديناميكا الغلاف الجوي العلوي في الشتاء، مما يساعد على تعميق المنخفضات عند سطح الأرض.
من أهم هذه المنخفضات “منخفض قبرص”، وهو نظام جوي متكرر يلعب دورًا رئيسيًا في تحديد أنماط الطقس في بلاد الشام والسواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. هذا المنخفض يجلب معه غالبًا أمطارًا غزيرة وثلوجًا، مما يؤثر على الحياة اليومية والزراعة والبنية التحتية.
البحر المتوسط نفسه يساهم في تكوين المنخفضات من خلال توفير الرطوبة اللازمة. عندما يندفع الهواء الرطب نحو مركز المنخفض ويرتفع، يبرد ويتكثف، مما يؤدي إلى هطول الأمطار.
الأثر الإنساني للمنخفضات الجوية
في قطاع غزة، يفاقم المنخفض الجوي الأوضاع المأساوية التي يعيشها السكان. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 1.1 مليون شخص في غزة بحاجة ماسة إلى المساعدة، وأن الظروف الجوية السيئة تزيد من معاناتهم. الرياح القوية والأمطار الغزيرة تتسبب في غمر مناطق الإيواء المنخفضة، مما يعرض السكان لمخاطر صحية وبيئية.
أعلنت وزارة الصحة في غزة عن ارتفاع حالات الوفاة بسبب البرد الشديد في مخيمات النازحين، خاصةً بين الأطفال. الخيام، على الرغم من كونها مأوى مؤقتًا، غير قادرة على توفير الحماية الكافية من الظروف الجوية القاسية.
في شمال سوريا، تتكرر السيناريوهات المأساوية نفسها. مخيمات النازحين تعاني من نقص في البنية التحتية والموارد اللازمة لمواجهة المنخفضات الجوية. تساقط الثلوج وغمر المخيمات بالمياه يزيد من الحاجة إلى العزل والتدفئة والملابس الجافة.
تغير المناخ والمنخفضات الجوية
يرى العلماء أن تغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة تواتر وشدة المنخفضات الجوية في منطقة شرق البحر المتوسط. هذا يعني أن المجتمعات المحلية قد تواجه تحديات أكبر في المستقبل، وأن الحاجة إلى الاستعداد والتكيف مع هذه الظروف ستزداد أهمية.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن يستمر تأثير المنخفضات الجوية على مناطق شرق البحر المتوسط خلال فصل الشتاء الحالي. الجهود الإنسانية مستمرة لتقديم المساعدة للسكان المتضررين، ولكن هناك حاجة ماسة إلى زيادة الدعم وتوفير حلول مستدامة لحماية الفئات الأكثر ضعفًا. المراقبة المستمرة للظروف الجوية وتوفير التحذيرات المبكرة ستكون ضرورية للحد من الأضرار والخسائر المحتملة، مع الأخذ في الاعتبار أن التغيرات المناخية قد تجعل هذه المنخفضات أكثر حدة في السنوات القادمة.













