توصلت دراسة علمية حديثة إلى فهم أعمق لكيفية عمل الدماغ، وتحديدًا الآلية التي ينسق بها بين معالجة المعلومات السريعة والبطيئة. هذا الاكتشاف، الذي أجري في جامعة روتجرز الأمريكية، يلقي الضوء على الاختلافات في القدرات الذهنية بين الأفراد، ويقدم رؤى جديدة حول تعقيدات الوظائف الإدراكية. الدراسة، التي نُشرت في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز”، تستكشف كيف يتعامل الدماغ مع مختلف أنواع المدخلات الحسية والمعرفية.
وفقًا للبحث، لا يعالج الدماغ جميع المعلومات بنفس السرعة. هناك مناطق متخصصة تعمل كـ “وحدات طوارئ” تستجيب للمنبهات السريعة، مثل ردود الفعل الحركية، بينما تركز مناطق أخرى على معالجة أبطأ للمعلومات، مثل فهم السياق واتخاذ القرارات المعقدة. هذا التمييز في السرعة ضروري للتعامل الفعال مع العالم من حولنا.
المادة البيضاء وتنسيق سرعات الدماغ
يُطلق العلماء على هذه الخاصية، وهي المدة التي تحتفظ فيها كل منطقة بالمعلومات قبل تمريرها إلى أخرى، اسم “المقاييس الزمنية العصبية الجوهرية”. وتشير الدراسة إلى أن هذه المقاييس الزمنية ليست ثابتة، بل تختلف باختلاف مناطق الدماغ.
وتلعب المادة البيضاء، وهي شبكة من الألياف العصبية التي تربط مناطق الدماغ المختلفة، دورًا حاسمًا في تنسيق هذه السرعات المتفاوتة. تعمل المادة البيضاء كـ “شبكة طرق سريعة” تسمح بتبادل المعلومات بين المناطق، مما يضمن تكامل الإشارات السريعة والبطيئة.
كيف تم التوصل إلى هذه النتائج؟
اعتمد فريق البحث على تحليل بيانات التصوير الدماغي المتقدمة لـ 960 مشاركًا. تم استخدام هذه البيانات لإنشاء خرائط تفصيلية لشبكات الاتصال في الدماغ، مما سمح للباحثين بتتبع كيفية انتقال النشاط العصبي مع مرور الوقت. هذا التحليل الدقيق كشف عن أنماطًا متميزة في كيفية معالجة الدماغ للمعلومات.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسات التي أجريت على الفئران أنماطًا زمنية مماثلة، مما يشير إلى أن هذه الآلية ليست حصرية للبشر، بل تمثل مبدأ بيولوجيًا عامًا ينظم وظائف الدماغ. هذا يفتح الباب أمام المزيد من الأبحاث حول الذكاء الاصطناعي وكيف يمكننا محاكاة هذه العمليات المعقدة.
الارتباط بين بنية الدماغ والقدرات المعرفية
أظهرت النتائج أن درجة التنسيق بين “ساعات” مناطق الدماغ المختلفة وبنية المادة البيضاء تختلف بشكل كبير بين الأفراد. هذا الاختلاف يرتبط جزئيًا بالفروق في الأداء والقدرات المعرفية، مثل سرعة المعالجة والذاكرة العاملة.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآلية قد يكون له آثار مهمة على أبحاث الصحة النفسية. تشير بعض الأدلة إلى أن اختلال التنسيق الزمني بين مناطق الدماغ قد يلعب دورًا في اضطرابات مثل الفصام والاكتئاب، ولكن هذا لا يزال مجالًا للبحث المكثف.
ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج تمثل خطوة أولى في فهم هذه العمليات المعقدة. لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية لتقييم ما إذا كان يمكن استخدام هذه المعرفة لتطوير تشخيصات أو علاجات جديدة للاضطرابات العصبية والنفسية.
في الختام، تقدم هذه الدراسة رؤى قيمة حول كيفية تنسيق الدماغ لمعالجة المعلومات بسرعات مختلفة. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأبحاث التي تهدف إلى استكشاف هذه الآلية بشكل أعمق، وتحديد دورها في الصحة والمرض. سيراقب الباحثون بشكل خاص العلاقة بين هذه المقاييس الزمنية العصبية والنتائج السريرية في المرضى الذين يعانون من اضطرابات عصبية ونفسية.













