تقام الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي في الفترة من 12 إلى 22 فبراير/شباط 2026، في ظل تحولات جيوسياسية وثقافية عميقة. تُظهر اختيارات المسابقة الرسمية لهذا العام انعكاسًا لهذه التغيرات، حيث تضم 22 فيلمًا من حوالي 28 دولة، وتسلط الضوء على قضايا معاصرة تشغل بال صناع السينما والجمهور على حد سواء. يُعد المهرجان منصة رئيسية لعرض الأفلام الفنية المستقلة، ويحظى بمكانة مرموقة في عالم السينما.
يأتي انعقاد هذا المهرجان في وقت يشهد فيه العالم انقسامات سياسية وثقافية متزايدة، وهو ما ينعكس بوضوح على تنوع وجهات النظر والأصوات التي تمثلها الأفلام المشاركة. تتضمن الدورة تكريمات خاصة لشخصيات بارزة في عالم السينما، بالإضافة إلى التركيز على الأعمال التي تتناول موضوعات إنسانية واجتماعية عميقة.
انعكاسات عالمية في اختيارات الأفلام
تتضمن قائمة الأفلام المختارة لهذا العام تركيزًا ملحوظًا على موضوعات العائلة، والذاكرة، والعزلة الفردية، مما يعكس اهتمامًا متزايدًا بالقضايا التي تؤثر على حياة الناس اليومية. بالإضافة إلى ذلك، يبرز حضور أشكال سينمائية غير تقليدية، مثل أفلام الرسوم المتحركة والأفلام الوثائقية، داخل المسابقة الرسمية نفسها، مما يشير إلى انفتاح المهرجان على التجارب الجديدة والمبتكرة.
أكدت المديرة الفنية للمهرجان، تريشيا تاتل، على قوة التشكيلة المختارة، معربة عن ثقتها في قدرة هذه الأفلام على جذب الجمهور. وقالت تاتل في بيان رسمي: “لقد وجدنا الكثير لنقع في حبه في تشكيلة المنافسة لهذا العام، ونحن واثقون جدًا من جاذبية هذه الأفلام الـ22 لدرجة أننا نقول بشكل متحد: إذا لم تجد شيئًا هنا لتحبه، فأنت لا تحب السينما!”.
حضور عربي مميز
يُعد حضور السينما العربية في مهرجان برلين تقليدًا راسخًا، وتؤكد دورة 2026 على هذا الحضور من خلال مشاركة الفيلم التونسي “بيت الحس” (In a Whisper) للمخرجة ليلى بوزيد في المسابقة الرسمية. تُعرف بوزيد بأسلوبها السينمائي الحساس وقدرتها على تحليل العلاقات الإنسانية المعقدة، ومن المتوقع أن يقدم فيلمها الجديد رؤية فريدة ومؤثرة.
تأتي مشاركة بوزيد كجزء من خريطة أوسع تهدف إلى دعم الأصوات السينمائية من خارج المراكز التقليدية للصناعة، وتعزيز التنوع الجغرافي والثقافي في عالم السينما. هذا التوجه يعكس التزام المهرجان بتقديم منصة للأفلام التي تتحدى القوالب النمطية وتطرح أسئلة جريئة.
هموم إنسانية وقضايا معاصرة
بالإضافة إلى الفيلم التونسي، تتناول الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية مجموعة واسعة من القضايا الإنسانية والاجتماعية. على سبيل المثال، يستكشف الفيلم المجري “على البحر” (At the Sea) للمخرج كورنييل موندروتشو، قصة امرأة تعود إلى منزل عائلتها بعد فترة علاج من الإدمان، وتواجه صدمات الماضي وتحديات الهوية. يُعد هذا الفيلم مثالًا على كيف يمكن للسينما أن تتناول قضايا حساسة مثل الإدمان والصحة النفسية بطريقة مؤثرة.
كما يغوص الفيلم الألماني “قصص البيت” (Home Stories) للمخرجة إيفا تروبيش، في التوترات العائلية كمرآة تعكس التحولات الاجتماعية في ألمانيا المعاصرة. بينما يتناول الفيلم الألماني الآخر “رسائل صفراء” (Yellow Letters) للمخرج إيلكر تشاتاك، قضايا الهوية والاندماج والهجرة، ويستخدم الذاكرة العائلية كمدخل لفهم التحديات التي تواجهها المجتمعات المتنوعة.
ويستمر المهرجان في دعم الأفلام الوثائقية، حيث تعرض دورة 2026 فيلم “الجميع معجبون ببيل إيفانز” (Everybody Digs Bill Evans) الذي يتناول سيرة الموسيقي الأميركي الشهير بيل إيفانز. بالإضافة إلى ذلك، يبرز حضور فيلم الرسوم المتحركة الياباني-الفرنسي “فجر جديد” (A New Dawn)، مما يؤكد على انفتاح المهرجان على الأشكال السينمائية المختلفة.
تُظهر هذه التشكيلة المتنوعة أن مهرجان برلين السينمائي يظل ملتزمًا بتقديم منصة للأفلام التي تتناول القضايا المهمة وتثير النقاش العام. كما يعكس التزام المهرجان بدعم السينما المستقلة وتعزيز التنوع الثقافي.
من المتوقع أن يشهد المهرجان حضورًا مكثفًا من قبل صناع السينما والنقاد والجمهور من جميع أنحاء العالم. وستكون قائمة الفائزين في المسابقة الرسمية محل اهتمام كبير، حيث يمكن أن تساهم في إطلاق مسيرة العديد من الأفلام والمخرجين الواعدين. وستستمر فعاليات المهرجان حتى 22 فبراير/شباط، ومن ثم سيتم تقييم تأثيره على المشهد السينمائي العالمي.













