بعد مرور عام على التغيير السياسي في سوريا، لا يزال مصير آلاف المفقودين مجهولاً، وتكشف عمليات البحث عن مقابر جماعية مروعة عن حجم المعاناة التي عاشها السوريون خلال سنوات الصراع. وكشف تحقيق ميداني حديث عن بطء وتيرة البحث عن هؤلاء المفقودين، مما يثير قلقاً بالغاً لدى عائلاتهم ويثير تساؤلات حول آليات العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة.
أجرى التحقيق، الذي نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية من منطقة السيدة زينب بريف دمشق، تقييماً للجهود المبذولة للعثور على أكثر من 181 ألف مفقود سوري. ويشير التقرير إلى أن عملية البحث عن المفقودين تواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك نقص الموارد والخبرات، بالإضافة إلى التعقيدات الأمنية والسياسية التي تعيق الوصول إلى بعض المناطق.
المقابر الجماعية: شهادات صامتة على مأساة سوريا
يقول حمزة، وهو سجين سياسي سابق شارك في جهود البحث عن المفقودين، إن “الأرض تتحدث بصمت، فكل حفرة تكشف عن قصة مأساوية”. وقد تمكن حمزة وزميله فؤاد نعال، من خلال جهود ذاتية، من تحديد هوية 400 شخص وإعادة دفنهم بشكل لائق، لكنهما يؤكدان أن هناك الآلاف الآخرين الذين لا يزالون مجهولين.
وتشير الاكتشافات الأخيرة إلى أن العديد من الضحايا تعرضوا للتعذيب والإعدام قبل دفنهم في هذه المقابر الجماعية. وقد عُثر على جثث تحمل آثار إصابات بالغة، مما يؤكد الحاجة إلى تحقيق شامل في هذه الجرائم وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
تحديات تحديد الهوية
يواجه فريق البحث تحديات كبيرة في تحديد هوية الضحايا، نظراً لعدم وجود سجلات دقيقة أو قواعد بيانات شاملة للمفقودين. ويؤكد الدكتور أنس الحوراني، رئيس المركز السوري لتحديد الهوية الجنائية، على أهمية توفير مختبرات متخصصة لتحليل الحمض النووي، مما يساعد على تسريع عملية تحديد الهوية وتخفيف معاناة العائلات.
ومع ذلك، يرى الحوراني أن الجهود الجارية تمثل “بصيص أمل” لعائلات المفقودين، وأن العثور على رفات أحبائهم قد يمنحهم بعض السلوان والراحة.
العدالة الانتقالية ومستقبل سوريا
أصدرت الحكومة السورية مؤخراً مرسوماً بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، وهي خطوة إيجابية نحو معالجة هذا الملف الإنساني الشائك. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الهيئة تحتاج إلى دعم وتسهيلات أكبر لكي تتمكن من القيام بمهامها على أكمل وجه.
ومن المتوقع أن تطلق الهيئة قاعدة بيانات للمفقودين خلال العام الحالي، مما قد يساعد في جمع المعلومات وتسهيل عملية البحث. لكن عملية نبش المقابر الجماعية قد تتأخر حتى عام 2027، نظراً للظروف الأمنية واللوجستية المعقدة.
بالإضافة إلى ذلك، يطالب العديد من السوريين بإجراء محاكمات عادلة ومنصفة للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك عمليات الإخفاء القسري والتعذيب والإعدام خارج نطاق القانون. ويرى فؤاد نعال، وهو أحد الناجين من سجون النظام السابق، أن “العدالة هي أساس المصالحة الوطنية وبناء سوريا الجديدة”.
في الختام، يظل ملف المفقودين في سوريا من أكبر التحديات التي تواجه البلاد. ومن المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة جهوداً متزايدة لانتشال الجثث وتحديد هويتها، بالإضافة إلى مبادرات تهدف إلى تحقيق العدالة والمساءلة. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من العقبات التي تعيق هذه الجهود، بما في ذلك نقص الموارد والتعقيدات السياسية والأمنية. وسيتطلب الأمر تضافراً للجهود من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة السورية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، لكي يتمكن السوريون من تجاوز هذه المأساة وبناء مستقبل أفضل.













