في تطور لافت، أثارت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا، والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، جدلاً واسعاً حول تأثيرها على التوازنات الجيوسياسية العالمية، وخاصةً علاقات القوى مع روسيا. يرى محللون أن هذه الخطوة، بعيداً عن كونها ضربة للكرملين، قد تعزز رؤية عالمية جديدة تقوم على مناطق النفوذ والقوة، مما يقوض النظام الدولي القائم. هذا التحليل يركز على مفهوم “عقيدة دونرو” وتداعياتها المحتملة.
العملية، التي جرت في الأول من مايو 2026، وفقاً لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية، أدت إلى اعتقال مادورو بتهم تتعلق بالفساد وتقويض الديمقراطية. وقد أعلنت واشنطن دعمها لحكومة انتقالية في فنزويلا، لكن هذه الخطوة واجهت إدانات دولية واسعة النطاق، خاصة من روسيا والصين. الجدل الأوسع يتعلق بكيفية تأثير هذه الأحداث على مستقبل العلاقات الدولية.
“عقيدة دونرو” وتأثيرها على السياسة الخارجية الأمريكية
يشير مصطلح “عقيدة دونرو” إلى عودة إلى سياسات التدخل الإقليمي التي تتسم بالبراغماتية والتركيز على المصالح الوطنية، على غرار ما فعله الرئيس الأمريكي السابق جيمس مونرو في القرن التاسع عشر. وفقاً لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن، فإن هذه العقيدة الجديدة ترتكز على إبرام صفقات مع الدول التي تتماشى مع أهداف الإدارة الأمريكية، ومعاقبة تلك التي تعارضها.
التحليل يرى أن هذه السياسة لا تختلف كثيراً عن تلك التي يتبعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوروبا الشرقية، حيث يسعى إلى توسيع نفوذه من خلال دعم الأنظمة الموالية له والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هناك قلق متزايد من أن هذه الأساليب قد تؤدي إلى تفكك النظام الدولي القائم على القواعد.
النفط الفنزويلي كمحرك للتدخل
يرى خبراء اقتصاديون أن السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا هي أحد الأسباب الرئيسية وراء التدخل الأمريكي. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، والوصول إلى هذه الموارد يمثل أولوية قصوى للولايات المتحدة.
ومع ذلك، يرى منتقدو هذه السياسة أنها تستغل موارد دولة أخرى لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، وأنها تتجاهل حقوق الشعب الفنزويلي في تقرير مصيره. هذا التدخل يثير تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تداعيات اعتقال مادورو على العلاقات الروسية الأمريكية
على عكس التوقعات السائدة، يرى بعض المحللين أن اعتقال مادورو قد يخدم مصالح روسيا في نهاية المطاف. فمن خلال إظهار الولايات المتحدة على أنها قوة غير مسؤولة تسعى إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فإن روسيا يمكنها تعزيز مكانتها كدافع للنظام الدولي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التدخل قد يشجع الصين على اتخاذ خطوات مماثلة في تايوان، بحجة أنها تحمي مصالحها الوطنية. هذا السيناريو يثير مخاوف بشأن اندلاع صراع واسع النطاق في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. الوضع يتطلب حذراً شديداً وتنسيقاً دولياً.
الخارجية الروسية، في بيان رسمي صدر يوم 2 مايو 2026، اعتبرت العملية الأمريكية “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي” و”تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية لفنزويلا”. كما حذرت من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى “زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها”.
مستقبل النظام الدولي: هل نحن أمام حقبة جديدة؟
يشير العديد من المراقبين إلى أن اعتقال مادورو يمثل علامة فارقة في العلاقات الدولية، وأننا قد نشهد تحولاً جذرياً في التوازنات الجيوسياسية. فقد بدأت الولايات المتحدة في تبني سياسات أكثر عدوانية وتدخلاً في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مما يقوض النظام الدولي القائم على القواعد.
من المتوقع أن تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين في الأشهر المقبلة، وأن نشهد المزيد من المناورات العسكرية والتدخلات السياسية في مناطق مختلفة من العالم. الوضع يتطلب حواراً بناءً وجهوداً دبلوماسية مكثفة لتجنب الانزلاق إلى صراع واسع النطاق.
في الوقت الحالي، من غير الواضح ما إذا كانت هذه التطورات ستؤدي إلى انهيار النظام الدولي القائم. ومع ذلك، فمن المؤكد أننا نشهد حقبة جديدة من عدم اليقين والتقلبات، وأن مستقبل العلاقات الدولية يعتمد على كيفية تعامل القوى الكبرى مع هذه التحديات. من المنتظر أن يصدر مجلس الأمن الدولي قراراً بشأن الوضع في فنزويلا بحلول نهاية مايو 2026، لكن من غير المرجح أن يتم التوصل إلى توافق في الآراء بسبب الخلافات العميقة بين أعضاء المجلس.













