أثار تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة سياسية معقدة في العراق، بعد معارضته ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء. هذا الموقف وضع “الإطار التنسيقي” العراقي في مواجهة مباشرة مع واشنطن، في لحظة إقليمية حساسة تتطلب توازناً دقيقاً. وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط إقليمية متزايدة، مما دفع الولايات المتحدة إلى تبني ما يصفه مراقبون بـ”الدبلوماسية الخشنة” في محاولة للتأثير على المشهد السياسي في بغداد.
الخلاف حول رئاسة الوزراء العراقية يمثل تحدياً كبيراً للإطار التنسيقي، حيث يواجه خيارات صعبة. تتزامن هذه الأزمة مع محاولات لتشكيل حكومة جديدة قادرة على معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه البلاد. وتشير التقديرات إلى أن قرار ترامب يهدف إلى منع وصول شخصية مقربة من إيران إلى السلطة في العراق.
أزمة الإطار التنسيقي وخياراته الصعبة
يرى أستاذ العلوم السياسية العراقي طارق الزبيدي أن الإطار التنسيقي يواجه مأزقاً حقيقياً. فإما المضي قدماً بترشيح المالكي، مما قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، أو التراجع وتقديم مرشح بديل، وهو ما قد يُفسر داخلياً على أنه ضعف في الموقف الشيعي.
وأشار الزبيدي إلى أن الرسالة الأمريكية تحمل دلالتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بالسيادة والتدخل في الشأن الداخلي، والثانية تنطلق من كون الولايات المتحدة دولة مؤثرة في النظام الدولي ولها مصالح مباشرة في العراق. الوضع السياسي في العراق يتأثر بشكل كبير بالعلاقات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، بحث الإطار التنسيقي العراقي تحذيرات ترامب، معرباً عن رفضه لما وصفه بالتدخل الأمريكي السافر في شؤون البلاد. وتشير التقارير إلى أن الإطار التنسيقي يسعى إلى إيجاد حل يضمن الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف المعنية.
تغيير النهج الأمريكي تجاه بغداد
يرى مراقبون أن إدارة ترامب قد غيرت نهجها تجاه بغداد، وانتقلت من التلميح إلى التصريح المباشر في محاولة لإقناع الداخل الأمريكي بأن الخطر في العراق لا يقل عن الخطر الإيراني، إذا ما جرى تنصيب شخصية قريبة من طهران. هذا التحول في السياسة الأمريكية يعكس قلقاً متزايداً بشأن النفوذ الإيراني في المنطقة.
من جهته، أقر المسؤول السابق بالخارجية الأمريكية توماس واريك بأن واشنطن كان بإمكانها التعامل مع الملف بطريقة أفضل، كما في السابق، من خلال التعبير عن مواقف عامة دون الدخول في أسماء محددة. العلاقات العراقية الأمريكية تشهد تقلبات مستمرة بسبب التحديات الإقليمية.
إلا أن مقاربة ترامب، وفق واريك، ذهبت أبعد مما يريده بعض صانعي القرار في واشنطن، مستحضرة تجربة عام 2014، حين فقدت الولايات المتحدة الثقة بقدرة المالكي على الحفاظ على تماسك الدولة في مواجهة تنظيم الدولة.
مخاطر وتحديات مستقبلية
يؤكد واريك أن واشنطن لا تريد معادلة صفرية مع بغداد، لكنها ترى أن إعادة المالكي قد تعقد العلاقة، في وقت يحتاج فيه العراق إلى موازنة دقيقة بين علاقته مع إيران والولايات المتحدة. ويرى أن المشكلة الأساسية بالنسبة لواشنطن تتمثل في السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة.
وبناء على ذلك، تريد واشنطن وضع حد للدعم الإيراني لوكلائها في المنطقة، وتخشى من أن يتحول العراق إلى ساحة نفوذ كاملة لطهران. هذا القلق يفسر جانباً من الضغوط الأمريكية المتصاعدة في المرحلة الحالية.
أما عن دوافع الإصرار داخل الإطار التنسيقي، فربطها الزبيدي بأزمة ثقة عميقة في اختيار المرشحين، وصراع داخلي بين جناحي المالكي ورئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني. التحديات السياسية في العراق تتطلب حواراً وطنياً شاملاً.
وفي الختام، من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المشاورات والتفاوضات بين الأطراف العراقية المختلفة، بالإضافة إلى تدخلات إقليمية ودولية. الموعد النهائي لتشكيل الحكومة الجديدة يقترب، مما يزيد من الضغوط على الإطار التنسيقي لاتخاذ قرار حاسم. يبقى من غير الواضح ما إذا كان الإطار التنسيقي سيتمكن من التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، أم أن الأزمة ستتفاقم وتؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في العراق.













