شهدت مدينة نيويورك تحولاً سياسياً واجتماعياً تاريخياً مع انتخاب زهران ممداني كأول عمدة مسلم في المدينة، وهو ما يعكس التغييرات الديموغرافية المتزايدة وارتفاع نفوذ الجالية المسلمة في نيويورك. ويمثل هذا الحدث لحظة فارقة في تاريخ المدينة، حيث انتقلت الجالية المسلمة من دور هامشي إلى موقع مركزي في السلطة المحلية.
أدى ممداني اليمين الدستورية في الأول من يناير عام 2026، مستخدماً القرآن الكريم في حفل خاص أقيم في محطة مترو أنفاق داخل مبنى البلدية القديم. وقد حظي هذا الانتخاب باهتمام واسع النطاق، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضاً على مستوى العالم الإسلامي، حيث يمثل رمزاً لدمج المجتمعات المسلمة في الحياة السياسية الغربية.
صعود الجالية المسلمة في نيويورك
على مدى عقود، واجهت الجاليات المسلمة في نيويورك تحديات جمة، بما في ذلك الرقابة الأمنية المتزايدة عقب أحداث 11 سبتمبر، وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا، والتهميش الاقتصادي. ومع ذلك، استطاعت هذه الجاليات أن تحافظ على تماسكها وأن تعمل بجد لتحسين أوضاعها المعيشية والاجتماعية.
تشير التقديرات إلى أن عدد المسلمين في مدينة نيويورك يتجاوز مليون نسمة، أي ما يقرب من 12% من إجمالي السكان. وقد ساهم هذا العدد المتزايد في زيادة نفوذ الجالية المسلمة في الانتخابات المحلية، حيث مثّل المسلمون 14% من الأصوات التي تم الإدلاء بها في انتخابات عام 2025.
التأثير الاقتصادي والاجتماعي
بالإضافة إلى تأثيرها السياسي، تساهم الجالية المسلمة بشكل كبير في الاقتصاد المحلي في نيويورك. ففي منطقة موريس بارك في برونكس، والتي باتت تعرف بـ”ليتل يمن”، ازدهرت الأعمال التجارية والمطاعم العربية، مما ساهم في خفض معدلات الشواغر التجارية وتحسين الأوضاع الاقتصادية في المنطقة.
كما أن الجالية المسلمة تلعب دوراً هاماً في تعزيز التنوع الثقافي والاجتماعي في مدينة نيويورك، حيث تقدم مساهمات قيمة في مجالات التعليم والصحة والفنون والثقافة.
أولويات الإدارة الجديدة
في خطابه التنصيبي، أكد زهران ممداني على عزمه قيادة المدينة بـ”جرأة”، مشدداً على أنه لن يخشى اتخاذ القرارات الصعبة لصالح سكان نيويورك. وتشمل أولويات إدارته الجديدة تحسين الخدمات العامة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليل الفوارق الاقتصادية.
وتتضمن بعض المطالب الرئيسية التي يرفعها ممثلو الجالية المسلمة ضمان حق الصلاة في المدارس العامة، ووضع ضوابط جديدة لسلوك الشرطة أثناء الاحتجاجات، وزيادة توظيف المسلمين في مؤسسات المدينة. كما يطالب البعض بإعادة النظر في علاقات نيويورك مع إسرائيل، وهو ما أثار قلق بعض القيادات اليهودية.
بالإضافة إلى ذلك، يسعى ممداني إلى تعزيز الحوار والتفاهم بين مختلف المجتمعات التي تعيش في مدينة نيويورك، والعمل على بناء مدينة أكثر عدلاً ومساواة للجميع.
تحديات مستقبلية أمام إدارة ممداني
على الرغم من التوقعات الإيجابية المحيطة بإدارة زهران ممداني، إلا أن هناك العديد من التحديات التي قد تواجهه في المستقبل. ومن بين هذه التحديات كيفية تحقيق التوازن بين أولويات الجالية المسلمة وبين مصالح المجتمعات الأخرى التي تعيش في المدينة.
بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه ممداني معارضة من بعض الأطراف السياسية التي لا ترى في انتخابه كأول عمدة مسلم في المدينة تطوراً إيجابياً. وسيتطلب منه التغلب على هذه المعارضة وكسب ثقة جميع سكان نيويورك.
وتشير التوقعات إلى أن السنوات القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لمدينة نيويورك، حيث ستخضع سياسات الإدارة الجديدة للتدقيق المستمر من قبل وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني. وسيتطلب من ممداني إثبات قدرته على تحقيق الوعود التي قطعها على نفسه وإحداث تغيير إيجابي في حياة سكان المدينة.
من المتوقع أن يعقد ممداني مؤتمراً صحفياً في نهاية الشهر الحالي للإعلان عن خطة عمل مفصلة لتنفيذ برنامجه الانتخابي. ومن بين القضايا التي من المرجح أن يتناولها في هذا المؤتمر الصحفي ملف الإسكان الميسر، وتطوير البنية التحتية، ومكافحة الجريمة، وتعزيز التعليم.













