أكملت الولايات المتحدة رسميًا انسحابها من منظمة الصحة العالمية، في خطوة تثير جدلاً واسعًا وتأثيرات محتملة على الصحة العامة العالمية. جاء هذا القرار بعد إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في العام الماضي، ويدخل حيز التنفيذ في 23 يناير 2026، منهيًا بذلك التزامًا أمريكيًا استمر لمدة 78 عامًا تجاه المنظمة. هذا الانسحاب من منظمة الصحة العالمية يمثل تحولًا كبيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية ومساهمتها في الجهود الصحية الدولية.
وبررت واشنطن قرارها بالإشارة إلى إخفاقات منظمة الصحة العالمية في إدارة جائحة كوفيد-19، بما في ذلك التعامل مع المعلومات وتنسيق الاستجابة العالمية. وأكدت وزارة الصحة والخارجية الأمريكية في بيان مشترك أن الانسحاب سيتم تنفيذه بشكل كامل، وأن أي تعاون مستقبلي سيكون محدودًا للغاية.
“أسوأ قرار” وتداعياته على الصحة العالمية
وصف خبراء قانون الصحة العامة قرار الانسحاب بأنه “أسوأ قرار رئاسي” على الإطلاق، محذرين من تداعياته السلبية على الاستجابة العالمية للأوبئة والأمراض الجديدة. وأشار لورانس جوستن، خبير في جامعة جورج تاون، إلى أن الانسحاب سيعيق قدرة العلماء وشركات الأدوية الأمريكية على تطوير لقاحات وعلاجات فعالة.
بالإضافة إلى ذلك، يثير الانسحاب مخاوف بشأن فقدان الوصول إلى البيانات الحيوية من الدول الأخرى، مما قد يؤخر التحذير المبكر من أي جائحة مستقبلية. ويرى مراقبون أن هذا القرار قد يضعف بشكل كبير البنية التحتية العالمية لمكافحة الأمراض.
خلاف حول المستحقات المالية
وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، فإن الولايات المتحدة متخلفة عن سداد أكثر من 130 مليون دولار أمريكي مستحقة للمنظمة، تغطي فترتي 2024 و 2025. وتعتبر هذه المستحقات جزءًا من الخلاف الأوسع بين واشنطن والمنظمة حول دورها وتمويلها.
وتنفي الإدارة الأمريكية الحالية أن يكون القانون يتطلب سداد جميع الرسوم المستحقة قبل الانسحاب الفعلي، لكن هذا التفسير لا يزال محل جدل. ويشير البعض إلى أن عدم سداد المستحقات يمثل خرقًا للالتزامات القانونية للولايات المتحدة.
تأثير الانسحاب على ميزانية المنظمة
لقد أحدث انسحاب الولايات المتحدة أزمة حادة في ميزانية منظمة الصحة العالمية، مما اضطرها إلى تقليص عدد فريق الإدارة بنحو النصف وتقليص نطاق عملها. وكانت الولايات المتحدة أكبر داعم مالي للمنظمة، حيث ساهمت بحوالي 18% من إجمالي التمويل.
ويواجه العاملون في المنظمة الآن خطر فقدان وظائفهم، حيث من المتوقع أن تضطر المنظمة إلى التخلي عن حوالي ربع قوتها العاملة بحلول منتصف العام الجاري. هذا الوضع يثير قلقًا بالغًا بشأن قدرة المنظمة على مواصلة تنفيذ برامجها الحيوية في جميع أنحاء العالم.
خطوات إضافية وتأثيرها على التعاون الدولي
في الأسابيع الأخيرة، اتخذت الولايات المتحدة خطوات للانسحاب من عدد من منظمات الأمم المتحدة الأخرى، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل التعاون الدولي. ويخشى البعض من أن يؤدي مجلس السلام الذي أنشأه ترمب إلى تقويض دور الأمم المتحدة ككل.
ويركز المسؤولون الأمريكيون على العمل مباشرة مع الدول الأخرى في مجال الصحة العامة، بدلاً من التعاون من خلال منظمة دولية. لكن هذا النهج يثير تساؤلات حول فعاليته وقدرته على تحقيق نتائج مماثلة لتلك التي يمكن تحقيقها من خلال التعاون المتعدد الأطراف.
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة ومنظمة الصحة العالمية في الأشهر المقبلة. وسيكون من المهم مراقبة ما إذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية ستعيد النظر في قرار الانسحاب، أو ما إذا كانت ستسعى إلى إيجاد طرق جديدة للتعاون مع المنظمة في إطار محدود. كما سيكون من الضروري تقييم تأثير الانسحاب على الصحة العامة العالمية، وعلى قدرة المنظمة على الاستجابة للأزمات الصحية المستقبلية. الوضع الحالي يمثل تحديًا كبيرًا للمجتمع الدولي، ويتطلب جهودًا متضافرة لضمان استمرار التعاون الفعال في مجال الصحة.













