مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يشهد قطاع إنتاج الفيديو تحولاً كبيراً، حيث أصبحت الخوارزميات قادرة على إنشاء محتوى مرئي بشكل مستقل. هذا التوسع في محتوى الذكاء الاصطناعي أثار جدلاً واسعاً حول الأصالة والجودة على منصات مثل يوتيوب، مما دفع المنصة لاتخاذ إجراءات جديدة للحد من انتشار المحتوى الرخيص والمكرر.
بدأت يوتيوب في منتصف يوليو 2025 بتطبيق سياسات جديدة تهدف إلى تقييد قدرة القنوات التي تعتمد بشكل كبير على المحتوى المولّد آلياً على تحقيق الدخل من الإعلانات. يأتي هذا القرار في ظل تزايد المخاوف من تأثير هذا النوع من المحتوى على صانعي المحتوى الأصليين وعلى جودة التجربة للمشاهدين.
تأثير محتوى الذكاء الاصطناعي على يوتيوب وصانعي المحتوى
أدى انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة هائلة في كمية الفيديوهات المنشورة على يوتيوب، والتي غالباً ما تكون عبارة عن تجميعات لقطات أو عروض شرائح بسيطة مع تعليق صوتي آلي. هذا التدفق الكبير من المحتوى الرخيص، والذي يُعرف في الصناعة باسم “مخلفات الذكاء الاصطناعي”، أثر سلباً على رؤية المحتوى الأصلي والجذاب.
بالإضافة إلى ذلك، أثيرت مخاوف بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء أخبار كاذبة أو مقاطع تزييف عميق (Deepfakes) لشخصيات عامة، مما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور وتقويض الثقة في المعلومات المتاحة عبر الإنترنت. وقد حصدت بعض هذه الفيديوهات ملايين المشاهدات قبل أن يتم اكتشاف زيفها.
السياسات الجديدة لتحقيق الدخل
تستهدف سياسات يوتيوب الجديدة بشكل خاص القنوات التي تعتمد على الأتمتة شبه الكاملة في إنتاج المحتوى. وفقاً لإعلان يوتيوب، لن يكون المحتوى الذي يعتمد بشكل كبير على توليد كميات ضخمة من اللقطات أو التعليقات الصوتية الآلية مؤهلاً لتحقيق الدخل من الإعلانات.
ومع ذلك، تؤكد يوتيوب أن استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليس ممنوعاً، بل يجب أن يكون أداة مساعدة لتعزيز الإبداع البشري، وليس بديلاً عنه. يجب أن يضيف المحتوى قيمة حقيقية للمشاهدين وأن يعكس رؤية إبداعية فريدة.
تأثير محتمل على الدول النامية
يشير خبراء الصناعة إلى أن هذه السياسات قد يكون لها تأثير كبير على صانعي المحتوى في الدول النامية، مثل فيتنام وباكستان وإندونيسيا، حيث تعتمد العديد من القنوات على الإعلانات كمصدر رئيسي للدخل. قد تجد هذه القنوات صعوبة في التكيف مع السياسات الجديدة، خاصة إذا كانت تعتمد بشكل كبير على المحتوى المولّد آلياً.
في المقابل، من المتوقع أن يكون تأثير هذه السياسات محدوداً على صناع الأفلام والمحتوى الإبداعي عالي الجودة، الذين يعتمدون بشكل أساسي على الإبداع البشري والإنتاج الاحترافي. هذه القنوات هي التي تسعى يوتيوب إلى حمايتها وتعزيزها.
التناقض في سياسات يوتيوب
يثير التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل شركة “ألفابت”، الشركة الأم ليوتيوب، تساؤلات حول مدى جدية هذه الإجراءات. ففي حين تحاول يوتيوب حماية الأصالة، تستثمر “ألفابت” في أدوات مثل Veo3، وهي منصة لتوليد الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي، مما قد يؤدي إلى زيادة إنتاج المحتوى المؤتمت.
هذا التناقض يطرح أسئلة حول الشفافية والأهداف الحقيقية وراء هذه السياسات. هل تسعى يوتيوب حقاً إلى حماية صانعي المحتوى الأصليين، أم أنها تحاول فقط تنظيم سوق المحتوى المولّد آلياً؟
بالإضافة إلى ذلك، يثير موضوع حقوق الملكية الفكرية في المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي جدلاً قانونياً وأخلاقياً. من يملك حقوق المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة خوارزمية؟ وهل يحق لصانعي المحتوى الأصليين المطالبة بتعويض إذا تم استخدام أعمالهم لتدريب هذه الخوارزميات؟
تعتبر خوارزميات يوتيوب نفسها جزءاً من المشكلة، حيث أنها قد تعطي الأولوية للمحتوى الذي يجذب أكبر عدد من المشاهدات، بغض النظر عن جودته أو أصالته. وهذا قد يشجع القنوات على إنتاج محتوى رخيص ومكرر بهدف زيادة عدد المشاهدات والإعلانات.
من المرجح أن يراقب صانعو المحتوى عن كثب تطبيق سياسات يوتيوب الجديدة وتقييم تأثيرها على قنواتهم. كما أنهم سيواصلون البحث عن طرق جديدة للتكيف مع التغيرات في المشهد الرقمي والحفاظ على أصالة أعمالهم. من المتوقع أن تقوم يوتيوب بتقييم فعالية هذه السياسات في الأشهر القادمة، وقد تقوم بإجراء تعديلات عليها بناءً على النتائج.













