يشهد المشهد الثقافي السعودي تحولات عميقة، وتبرز أهمية الحوار مع المفكرين الذين عايشوا هذه التحولات وساهموا في تشكيل الوعي. في هذا السياق، يكتسب الوعي مكانة مركزية كأداة للتغيير الإيجابي والتطور المجتمعي، وهو ما يتجسد في آراء وأفكار الباحث الفلسفي يوسف أبا الخيل، الذي يمثل أحد الأصوات البارزة في هذا المجال. هذا الحوار يستكشف رؤيته حول التغييرات الجارية، ودور المثقف، وتحديات المستقبل.
تحولات المشهد الثقافي وأهمية الوعي
أشار أبا الخيل إلى أن المناقشات الثقافية في الماضي لم تكن حقيقية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كانت تتم في ظل هيمنة صوت واحد. كان الصوت المختلف مجرد همس خائف، يخشى الاصطدام بالحشود التي تمثل النزعة الجماعية. ومع ذلك، يرى أن هذه المرحلة ساهمت في صقل الأفكار وتحرير الإشكاليات التي كان التنوير معنيًا بها.
وأضاف أن القرارات الإصلاحية الأخيرة في المملكة أزاحت عبئًا كبيرًا عن كاهل المثقف التنويري، حيث لم يعد مضطرًا للمطالبة بالتغيير بشكل مستمر. لكنه أكد في الوقت نفسه أن دور المثقف النوعي لا يزال حيويًا في ترسيخ هذه التغييرات من منظور ثقافي واجتماعي وقانوني. القيادة، بحسب قوله، وضعت الأمور في نصابها الصحيح، لكن دمج هذه التغييرات في الوعي الجمعي يتطلب جهودًا مضاعفة من النخب المثقفة.
دور المثقف في المرحلة الراهنة
يرى أبا الخيل أن المثقف في العصر الحالي يجب أن يركز على تأصيل التغييرات الإيجابية التي تشهدها المملكة، وأن يعمل على تعزيز قيم التسامح والاعتدال والانفتاح. يجب أن يكون المثقف قادرًا على تقديم رؤى جديدة ومبتكرة، وأن يساهم في بناء مجتمع قائم على المعرفة والوعي.
تحديات المثقف الرقمي والتعليم
أحد التحديات الرئيسية التي تواجه المثقف في العصر الرقمي هو سطوة المعلومات المتاحة بسهولة، والتي غالبًا ما تكون غير دقيقة أو مضللة. المثقف الرقمي، بحسب أبا الخيل، يميل إلى النسخ واللصق دون تمحيص علمي، على عكس المثقف التقليدي الذي يتعب في تحصيل المعلومة وتعديلها. هذا الأمر يتطلب تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليل لدى المثقفين، وتمكينهم من التعامل مع المعلومات بشكل مسؤول وفعال. كما أن التفكير النقدي يعتبر من المهارات الأساسية التي يجب غرسها في الأجيال القادمة.
وفيما يتعلق بالتعليم، أعرب أبا الخيل عن قلقه بشأن تراجع الجدية لدى الطلاب، وزيادة اعتمادهم على وسائل التكنولوجيا في حل الواجبات والقيام بالأبحاث. هذا الأمر قد يؤدي إلى ضعف المهارات الأساسية، وتراجع القدرة على التعلم الذاتي. لذلك، يجب على المؤسسات التعليمية التركيز على تطوير مهارات الطلاب، وتشجيعهم على القراءة والبحث والتفكير النقدي. بالإضافة إلى ذلك، يجب تعزيز دور المعلم كمرشد وموجه، وليس مجرد ناقل للمعلومات.
النسبية في الحقيقة والثوابت المجتمعية
أكد أبا الخيل على أهمية فهم النسبية في الحقيقة، مشيرًا إلى أن الحقيقة ليست مطلقة، بل هي نسبية تتغير بتغير الزمان والمكان. هذا الفهم يساعد على تقبل الآخر، واحترام وجهات النظر المختلفة. ومع ذلك، شدد على أن الثوابت الأساسية في الإسلام، مثل أركان الإيمان وأركان الإسلام، تظل ثابتة ولا تتغير. أما القضايا المتعلقة بالمعاملات، فهي تخضع للسياقات الزمنية والمكانية والاجتماعية، ويمكن أن تتغير بتغير هذه السياقات. وهذا ما يفسر اختلاف آراء الصحابة في بعض القضايا الفقهية.
المستقبل والتحولات القادمة
يشير المراقبون إلى أن المملكة العربية السعودية تشهد تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة، وأن هذه التحولات ستستمر في المستقبل. من المتوقع أن تشهد المملكة المزيد من الإصلاحات في مجالات التعليم والثقافة والإعلام، وأن يتم تعزيز دور الشباب في بناء مستقبل البلاد. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل الحفاظ على الهوية الوطنية، وتعزيز قيم التسامح والاعتدال، ومواجهة التطرف والإرهاب. الخطوات القادمة ستتطلب تعاونًا وثيقًا بين الحكومة والمجتمع المدني والنخب المثقفة، من أجل تحقيق التنمية المستدامة والازدهار للجميع. من المهم متابعة تطورات هذه الإصلاحات، وتقييم آثارها على المجتمع، والعمل على معالجة أي تحديات قد تظهر.
التحولات الاجتماعية والثقافية تتطلب وعيًا متزايدًا وقدرة على التكيف مع المتغيرات. الوعي هو المفتاح لمواجهة التحديات واغتنام الفرص، وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.













