في تطور مقلق يهدد سمعة المشهد الثقافي الأسترالي، أعلن قرابة 90 كاتبًا وأديبًا وناقدًا، من بينهم أسماء لامعة في الأدب، مقاطعتهم لأسبوع الكتاب ضمن فعاليات مهرجان أديلايد 2026، المقرر عقده في الفترة من 28 فبراير إلى 5 مارس. هذا المقاطعة الجماعية تلقي بظلالها على مستقبل المهرجان، وتأتي احتجاجًا على قرار مثير للجدل اتخذه القائمون على المهرجان.
ويتعلق القرار باستبعاد الروائية والأكاديمية الفلسطينية الأسترالية البارزة، الدكتورة راندا عبدالفتاح، من المشاركة في برنامج المهرجان. الدكتور عبدالفتاح، الأستاذة في جامعة ماكواري وكاتبة معروفة بأعمالها الموجهة للبالغين واليافعين، وجدت نفسها في قلب عاصفة من الانتقادات والاتهامات بعد هذا الإجراء.
خلفية القرار ومخاوف “الحساسية الثقافية”
وبرر مجلس إدارة مهرجان أديلايد قراره بالإشارة إلى ما وصفه بـ”مخاوف تتعلق بالحساسية الثقافية”. يأتي هذا التبرير في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسًا يهوديًا في بوندي بيتش، سيدني، في 14 ديسمبر 2025، والذي أسفر عن مقتل 15 شخصًا وإصابة العشرات. وقد تبنى تنظيم “داعش” الإرهابي المسؤولية عن الهجوم.
وتجدر الإشارة إلى أن إدارة المهرجان شددت على أنها لا تربط بشكل مباشر بين الدكتورة عبدالفتاح والهجوم الإرهابي. ومع ذلك، فقد أشارت إلى “تصريحات سابقة” للكاتبة، عبرت فيها عن دعمها للقضية الفلسطينية وانتقادها للسياسات الإسرائيلية، على أنها قد تثير حساسية في السياق الوطني الحالي والتوترات التي أعقبت الهجوم. يعتبر هذا التفسير مثيراً للجدل ويستدعي المزيد من التدقيق.
رد فعل الدكتورة راندا عبدالفتاح
ووصفَت الدكتورة راندا عبدالفتاح قرار استبعادها بأنه “عمل صارخ من العنصرية ضد الفلسطينيين”. وأعربت عن أسفها لمحاولة ربطها “بمجزرة بوندي”، مؤكدة أنها لا تمتلك أية صلة بمرتكبي هذه الجريمة البشعة. كما طالبت باعتذار رسمي وإعادة دعوتها للمشاركة في المهرجان، مُهددةً باتخاذ إجراءات قانونية.
وقدمت عبدالفتاح إشعارًا قانونيًا من خلال محاميها، مطالبةً بالإفصاح عن جميع البيانات والتصريحات التي استند إليها قرار استبعادها. وتهدف هذه الخطوة إلى كشف ملابسات القرار وتحديد ما إذا كان يتعارض مع مبادئ حرية التعبير والعدالة.
تداعيات المقاطعة وتصاعد الاحتجاجات على مهرجان أديلايد
أثار قرار إدارة المهرجان موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الأوساط الأدبية والثقافية الأسترالية والدولية. وقد أعلن المعهد الأسترالي للسياسات العامة عن سحب رعايته للمهرجان، بينما استقال ثلاثة من أعضاء مجلس إدارته، من بينهم الرئيسة، تعبيرًا عن معارضتهم الشديدة للقرار.
بالإضافة إلى ذلك، قام القائمون على المهرجان مؤقتًا بإزالة قائمة المشاركين من موقعه الإلكتروني، في حين نشر 11 من القادة السابقين للمهرجان رسالة مفتوحة تطالب بإعادة دعوة الدكتورة عبدالفتاح، واصفين القرار بأنه “انتهاك صارخ لحرية التعبير”. هذا التصعيد يشير إلى أزمة عميقة تهدد استقرار المهرجان.
وانضمت مجموعة واسعة من الكتاب والروائيين إلى حملة المقاطعة، بما في ذلك أسماء بارزة مثل الروائية البريطانية زادي سميث، والأديبة الأسترالية هيلين غارنر، والناقدة ميشيل دي كريتشير، والكاتبة ميليسا لوكاشينكو. يعكس هذا التضامن الواسع النطاق القلق المتزايد بشأن تزايد القيود المفروضة على حرية التعبير والتمييز الثقافي.
مخاوف بشأن حرية التعبير وسيادة القانون
يثير هذا الحادث تساؤلات حول حدود “الحساسية الثقافية” وتأثيرها على حرية التعبير. ويرى العديد من المراقبين أن قرار استبعاد الدكتورة عبدالفتاح يمثل سابقة خطيرة قد تؤدي إلى تقويض المبادئ الأساسية للديمقراطية وحرية الفكر والإبداع. يعتبر هذا الموضوع من القضايا الهامة المطروحة في النقاش العام في أستراليا.
يتصاعد الجدل حول ما إذا كان من المقبول تقييد حرية التعبير بسبب مخاوف تتعلق بالحساسية الثقافية، حتى في الحالات التي لا يوجد فيها أي دليل على تورط الشخص المعني في أعمال عنف أو تحريض. يرى البعض أن هذا النوع من القيود يمكن أن يؤدي إلى تكميم الأصوات المعارضة وممارسة الرقابة غير المبررة على المحتوى الفكري والثقافي.
من المتوقع أن يشهد مهرجان أديلايد 2026 تحديات كبيرة في ظل هذه الظروف المتوترة. سيتعين على مجلس الإدارة اتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبل المهرجان وكيفية التعامل مع مطالب المقاطعة. يبقى من غير الواضح ما إذا كان المهرجان سينجح في استعادة ثقة الجمهور والمشاركين، أو ما إذا كان سيواجه انهيارًا ناجمًا عن هذه الأزمة.













