انطلق سيف الدولة الحمداني بجيشه يفتح بلاد الروم في شهر ربيع الأول من عام 343هـ في الوقت الذي كانت بلاد المسلمين منشغلة فيه بالفتن الداخلية والحروب الأهلية، فحقق انتصارات باهرة وكان من بين من قتلهم قسطنطين بن الدمستق (ابن ملك الروم)، فعظم الأمر على الروم وعظم الأمر على ملكهم الدمستق فحشد حشوده وأجلب بخيله ورجاله من الروم والروس والبلغار وغيرهم، وقصد الثغور فسار إليه سيف الدولة.
فالتقوا عند “الحدث” في شعبان فاشتد القتال بينهم ودارت ملحمة كبيرة نصر الله تعالى فيها المسلمين، فانهزم الروم وقتل منهم عدد كبير وأسر كثيرون من بينهم صهر الدمستق وابن ابنته وكثير من بطارقته، وعاد الدمستق مهزوما مخذولًا؛ فكانت هذه الملحمة العسكرية القتالية بوابة لإحدى أهم الملاحم الشعرية في شعر العرب. فهل سمعت بالملاحم الشعرية في الشعر العربي القديم؟ كقصيدة المتنبي في ملحمة “الحدث” التي يقول في مطلعها:
على قَدرِ أَهل العزمِ تأتي العزائِمُ
وتأتي على قَدر الكرام المكارِمُ
لا بد أن هذه القصيدة قد طرقت مسامعك يومًا ما، وقد صوّر فيها المتنبي تلك الملحمة التاريخية العظيمة بقيادة سيف الدولة الحمداني، فبدا كل سطر منها حكاية بطولة تحاكي خيال المتلقي وتتركه في فضاء واسع تتلقفه فيه زوايا من جمال ودهشة وإعجاب.
ماذا عن الشعر النبطي؛ هل يمكن له أن يحمل مثل هذه الملاحم الشعرية الخالدة؟
يتناول الشعر النبطي معظم الأغراض والمواضيع التي تناولها الشعر التقليدي على مر العصور، ابتداء من الحماسة والفخر والفروسية وليس انتهاء بالغزل الشفيف والمدح والرثاء والحكمة. على أن موضوع الفخر والفروسية والشموخ والتغنّي بالبطولات حاضر بقوة نظرًا لطبيعة الشاعر البدوي الذي تجود قريحته بشعر نبطي ينبع من موهبة حقيقية في تصوير الواقع ومحاكاته بلغة شعرية مميزة وفريدة، تعكس أصالة البيئة التي نشأ فيها وترسم تفاصيل اللوحات الشعرية بجمال وقرب نفسي يجعل المستمع قادرًا على تخيل الأبعاد النفسية والمادية التي تؤديها الصور الفنية في الشعر النبطي بدقة عالية.
ونظرًا لطبيعة الحاضن الثقافي الذي ظهر فيه الشعر النبطي، إذ تبدو فيه القبيلة مقدَّمة على كل ما سواها، والشعور الجمعي أهم وأثمن حضورًا من فردية الشاعر وذاتيته، يعد كل من الفخر والمدح والرثاء من أهم الأغراض الشعرية حضورًا في الشعر النبطي اتفاقًا مع طبيعة حياة الشاعر القبلية التي لا بد أن تظهر بقوة في أشعاره ولغته وأسلوبه واختياراته، سواء أكان بوعي منه أو من دون وعي، وهذا أهم ما يميز الشعر النبطي برمته.
لذا يمكننا القول إن أغراض الشعر النبطي وموضوعاته تعد امتدادًا لأغراض الشعر العربي وموضوعاته منذ الجاهلية حتى العصر الحالي، على أن الشعر النبطي يمتاز بالمبالغة التي تثير لدى السامع دهشة عجيبة نتيجة إعمال الشعور فيها أكثر من إعمال الفكر والعقل في تركيب الصور الفنية واعتماد الانزياحات المجازية اللغوية، وذلك لأنه يصدر بعفوية وبساطة بعيدًا عن التكلف والتعقيد اللغوي، انسجامًا مع دفء اللغة المتداولة وبساطة الأجواء المحيطة به.
ويمتاز الشعر النبطي بالسرد الشعري، لا سيما أن الشاعر يستمد مواضيعه من بيئته القبلية، حيث تنمو الحكايات وتتضاعف التفاصيل وتكثر الأقاويل، ولعلها أهم مزية من مزاياه، لأنه خلّد كثيرًا من الوقائع التاريخية التي لم تذكرها المصادر بدقائقها أو لم تذكرها أبدًا، فضلا عن أنك تشعر وأنت تستمع إلى بعض القصائد كأنك تعيش مع الشاعر الذي يسرد وقائع حكاية ما أو حدث ما مستعينًا بالأمثال الشعبية ومزينًا لغته بألوان البديع لا سيما اللفظية منها التي تداعب مسامع المتلقين وتحلّق بهم على بساط لغوي أثير.
ففي الفخر والملاحم يبرز الشعر النبطي في ثوب تصويري بديع يجمع بين حزم اللغة وسعة الخيال ورفعة الفخر، ومن أشهر النماذج على ذلك ما قاله شيخ عموم قبيلة قحطان الفارس الشاعر محمد بن هادي:
يا راكب من عندنا فوق هجهوج
سواج مواج بعيد معشاه
ما فوقه الا الكور والنطع وخروج
وسفيفتين فوق وركيه تزهاه
انا جنودي كثر جوج وماجوج
حريبنا لو هو بعيدٍ نصيناه
حريبنا ما يمرح الليل مفلوج
الناس قد ناموا وعينه مقزاه
وعدونا لو قطب الخيل بسروج
لازم يخلي منزله لا نصيناه
ذا قول من يلوي على الهرج بهروج
يلوي ولا يلوى على بعض ملواه
إن قرب الشعر النبطي من لغة الحياة اليومية والتصاقه بها أكسب الشعراء عفوية أكبر ومنحهم مساحة أوسع للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، وبذا كان للرثاء نصيب من أشعارهم، ولعل أشهر أشعار الرثاء في الشعر النبطي تلكم التي سكبها نمر بن عدوان من محبرة روحه في رثاء زوجته (وضحا)، ففي أثناء سفر نمر العدوان للخليل والقدس أصاب المنطقة مرض الوروار (الكوليرا) وأصيبت زوجة نمر بهذا المرض ولم يمهلها فلقيت حتفها وهي تردد اسم نمر، ويقال إنها قالت بيتًا يتيمًا من الشعر وهي تحتضر:
عقاب وساره وداعتك يا حبيبي
وضحا غدت في غيبتك يا بن عدوان
ومن أشعاره في رثائها مخاطبًا ابنه عقاب:
يا عقاب جفني جظّ من فيض دمعي
شطط اخدودي شطة هشيم النار
يا عقاب إلمن اشتكي مر جرعي
على افراق من خذوني عن الدار
راحوا وخلّوني ابْحَرّي وولعي
ابكي عليهم ليلتي وانحب نهار
يا عقاب الواح دسري انكسر وقلعي
واضحيت انا في لجة البحر محتار
يا عقاب بطول الليل انوح وانعي
واجوح جوح الذيب لن صابه أسعار
اصيح ابعالي الصوت بحس شنعي
اسايله وين راحوا المحبين يا دار
يا دار وين هو نور شوفي وسمعي
وين الذي يجلّي همومي والاقدار
طابعتها و جا طبعها لطبعي
ولا يوم كدّرتني و لا جانبه دار
يعدّ نمر بن قبلان العدوان (1238هـ) زعيم منطقة البلقاء في الأردن لما يقرب من 20 سنة؛ أحد أشهر أعلام الشعر النبطي في العالم العربي، وكان لغرض الشكوى نصيب من شعره النبطي أيضًا، إذ قال في خطاب ولده (عقاب) شاكيًا له كثرة الأعداء والحاسدين والشامتين:
البارحه يا عقاب هود امن الليل
الكل يا أوليدي يلذذ في منامه
الناس يلهو باهروج إو تعاليل
وانا اتسلى باهروج إو ملامه
واهول عيني من اهوال التهاويل
يا ويل قلبي من هواتف احلامه
كل ما بدا ضحضاح فجر بدا ليل
أنحب نحيب الطفل حزه افطامه
يا اعقاب والله لو ان النوح يبري تعاليل
لا بدي سقيمًا ناحلات اعظامه
لا صيح براس الشفا يا هلا الخيل
واغز قيدي فوق رمحي علامه
تبدو عاطفة الشاعر في شكواه وتعلله إلى ولده متقدة حانية ترسم ملامح الأبوة التي تتسلّى ببث لواعج النفس إلى فلذة الكبد، ثم يدعو الشاعر الله ليعجل بيوم القيامة وينتقم له ممن أراد به شرًّا فيقول:
عجّل لنا يا خالقي بالقيامه
تكتب مشاهد نور عيني إو تهليل
بجنة الفردوس دار الكرامه
من لامني يبلى بفقر إو بالويل
يجيه سلطان الموت إو هو في منامه
ما يمهله لما يطارد مع الخيل
ميتة خسيس نذل ما له كرامه
كما برز غرض النصح والإرشاد في الشعر النبطي انسجامًا مع طبيعة لغته القريبة من الناس وعقولهم وعواطفهم، فها هو الشاعر إبراهيم بن جعيثن (1362هـ) من شعراء نجد وأدبائها البارزين، الذي عُرف بفقره وضيق حاله، يقول في إحدى قصائده الجميلة في موضوع النصح والإرشاد الديني والدعوة إلى التوبة والاجتهاد بالعبادات:
بديت بذكر ربي في مقالي
أقول اللي هو الخاطر ابَّالي
ترا هالفايده تنراد منِّي
خذوها واحفظوها يا عيالي
أسميها الوصاة لمن سمعها
لكم ولعامة كل الرجالي
عسى من عابها عني يسامح
ترا النقاد تدري بالعلالي
أبين شرحها للي يبِّيها
معانيها كما نظم اللآلي
الأوِّله اجتهد في طاعة الله
ترا الأيام تمضي بك عجالي
ثانيها الرسول اتبع طريقته
تفوز بسنته عذب زلالي
ثالثها الصلاة وقل لنفسك
ترايا اخطيت في عصرن مضالي
رابعها زكاة المال عطِّها
بنفس سمحة فيها انبذا لي
تراها تحفظه والحافظ الله
عن الإتلاف دقَّه والجلالي
أخاف الذي تشح أو ما تبادر
تزول عنه والا عنك زالي
خامسها الصيام أو حج فرضك
إلى بيت تشد له الرحالي
ولشدة التصاق الشعر النبطي بحياة القبائل ومعاملاتهم نرى الشاعر مبارك بن حمد العُقيلي (1374هـ) من الأحساء في المملكة العربية السعودية يخاطب أحد سادات القبائل شعرًا فيقول:
قال العقيلي في تراكيب الابداع
أمثال تطرب في الملا كل واعي
من ضامر من صلونا والجوى ماع
ويا ويل قلب حل فيه التياعي
الناس للعاقل إذا فكر انواع
والكل عن نوعه قوي الدفاعي
نلحظ أن كثيرًا من الشعراء الذين نظموا الشعر النبطي عمدوا إلى تلقيب أنفسهم أو ذكر أسمائهم في مطلع قصائدهم، كالشاعر الكويتي عبد الله الفرج (1280هـ) الذي لقب نفسه بمحيي الهوى، أما الشاعر مبارك العقيلي فكان من ديدنه في قصائده أن يذكر اسمه في بداية القصيدة كأنه الراوي، كقوله في قصيدة أخرى:
قال العقيلي في قواف أجادها
تنقيتها واتقنتها في وجادها
سبكت المعاني للمعاني بهمه
على نار فكر ما يهون اتقادها
بصافي افتكار في الحقايق وفطنه
وحدس يقرب مالمعاني اجادها
ورتبتها نظم بتدبير حازم
غذته التجارب لينها واشتدادها

الوقوف على الأطلال في الشعر النبطي
قد يظن القارئ أنه لا وجود للمقدمات الطللية في الشعر النبطي، وقد يستغرب إن سمع أنه لم يخلُ منها! فقد كان للوقوف على الأطلال حضور في الشعر النبطي، فالشاعر أبو حمزة العامري الذي عاش في القرن العاشر الهجري، والمنحدر من قبيلة العوامر التي تسكن في ساحل عُمان، ويتوزع أفرادها بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية، كانت قصائده تعتمد على الفصحى اعتمادًا واضحًا، وقد حاكى القدماء في الوقوف على الأطلال، إذ قال في إحدى قصائده:
يا خِلِّي عوجوا بنا الإنضائي
نبصر بدار عذبة الجرعائي
دارٍ خلت من ربْع ساكن حيِّها
أوزا بحالي شوفها وبكائي
دار لموضية الجبين كأنها
بدر يفاوج خندس الظَّلمائي
كيف عبر الشعراء عن إحساسهم بالغربة ومشقتها في الشعر النبطي؟
لم يغب حديث الغربة وألمها في العصر الحديث عن الشعر النبطي، فالشاعر السوري المعاصر عبد الكريم العَفيدلي مهتم بالشعر النبطي، وله دواوين عدة، أشهرها ديوانه “مصور بالعشا” الذي خصصه للشعر النبطي، ويقال إن قصيدته (غربة فكر) تعد من عيون شعره النبطي، وقد قال فيها واصفًا شعور الغربة بين الأهل:
أصبحت أحِس إني غريب فِبلادي
غربة فِكر يا صاحبي كم أليمة
لو أنها ما بين الأغراب عادي
لكنَّها ما بين ربعك جريمة
هالركب يمضي في زمانن رمادي
وأنا جهلت ألوان فيني مقيمة
حاولت تفسير الوجع وانقيادي
يعلق بحلقي مثل طعم الهزيمة
إلى متى ببقى على ما يكادي
هل كان للغزل نصيب الأسد من الشعر النبطي؟
عند مطالعة نصوص الشعر النبطي على مر العصور نجد أن غرض الغزل وموضوعاته كثر حضورها واتسع في الشعر النبطي المعاصر قياسًا بما سبق، حتى صار بعضها أغنيات تتردد على المسامع، لا سيما الخليجية منها التي نسمعها بلهجتهم المحببة وأساليبهم اللغوية التي تأخذ بالقلب والعقل إلى محالّ بعيدة ينعم فيها المتلقي بلذة الفن وجمال اللفظ ودقة المعنى. فعن الشوق إلى الحبيب يقول الشاعر بدر بن عبد المحسن في إحدى قصائده:
يا الله لا تقطع رجا كل مشتاق
بامرك يا رب الحلم يصبح حقيقه
وأنا أدري أن الوصل تاليه لفراق
ولولا الأمل ما تحمل النفس ضيقه
وكذلك فإن آلام الحب وضنى الشوق وتباريح الذكريات تفيض بها قصائد الشعر النبطي، ومن ذلك قصيدة الشاعر علي الخوار التي غنّاها فيما بعد الفنان ميحد حمد، وقال فيها:
لا تذكرني بحبك يا غناتي
ولا تذكرني بماضيك الجميل
في صدى ذكراك بجزر حياتي
مستحيل احب غيرك مستحيل
انته عمري وانت واغلى ذكرياتي
وانت في قلبي ولا غيرك خليل
انت عيني لي بها شفت البهاتي
وانت لي في مقلة عيوني نزيل
لو تقضى عمرنا الوردي وفاتي
وانقضى وانزاح شروا حلم ليل
تصبح الاطلال في فكري وذاتي
في الضمير تعيش لا يمكن تحيل
كم تذكرت السنين الماضياتي
لي تلاقينا بساعات الأصيل
كم على ذكراك هليت اعبراتي
وانته عني يا منى عمري ذهيل
صار عمري حزن وايامي حْسراتي
والفرح من دنيتي شد الرحيل
كنت محبوبي واغلى امنياتي
وصرت فجأه يا الغلا عني دخيل
حسبي الله ع الذي سبب شقاتي
لي سقاني المر عقب السلسبيل
لي بعد مجراك عن مجرى حياتي
وافرقك عني بعد عمر طويل
يا حبيب الروح بكتب لك وصاتي
إن غديت اليوم في حبك قتيل
أثبت شعراء الشعر النبطي قدرتهم على مجاراة الشعر الفصيح في تناول معظم الأغراض الشعرية التقليدية، إذ توزعت قصائدهم بين الأغراض والموضوعات ذاتها التي تناولها الشعر الفصيح مع قرب إلى قلوب الناس وأسماعهم، ليكون حاضرًا في مجالسهم ومسامراتهم التي لا تخلو من التحليق في فضاءات هذا الشعر الجميل. غير أن بعض أبناء العربية ينظرون إلى الشعر النبطي نظرة سلبية؛ فما الذي يدفعهم إلى ذلك؟ وهل هم محقون في تخوّفهم من تأثيراته السلبية في فصاحة الأجيال وارتباطها باللغة وحرصها على الحفاظ على سلامتها؟