تعتبر كلمة “الفزعة” جزءًا أصيلًا من التراث الكويتي، وتحمل في طياتها معاني متعددة تتجاوز مجرد الاستغاثة، لتشمل التكاتف والإيثار والوقوف جنبًا إلى جنب في وجه المحن. هذا المفهوم، المتجذر في اللغة العربية الفصحى، يجد له صدى قويًا في اللهجة الكويتية، حيث يمثل قيمة اجتماعية وثقافية رفيعة. وتعود جذور هذا المصطلح إلى معاني الخوف والإغاثة والنجدة، كما وردت في تفسيرات علماء اللغة والأدب.
تاريخيًا، تجسدت “الفزعة” في العديد من المواقف البطولية، بدءًا من استجابة الخليفة العباسي المعتصم لنداء استغاثة الأهالي وصولًا إلى الوقفات الشعبية التي شهدتها الكويت في أوقات الأزمات. وقد أظهر الكويتيون مرارًا وتكرارًا استعدادهم لتقديم المساعدة والعون لبعضهم البعض، والتكاتف في سبيل حماية وطنهم ومواجهة التحديات.
أصل ومعاني كلمة “الفزعة” في اللغة والتراث
تعود كلمة “الفزعة” في اللغة العربية الفصحى إلى الجذر “فزع”، والذي يحمل معاني الذعر والخوف الشديد. ويشير ابن منظور في لسان العرب إلى أن الفزع يعني الخوف الذي يذهل الإنسان، كما يمكن أن يكون استغاثة بالآخرين لطلب المساعدة. تتعدد استخدامات الكلمة في الشعر والأدب العربي القديم، حيث تصف مواقف الشجاعة والإغاثة والنجدة.
في القرآن الكريم، وردت كلمة “الفزع” في سياقات مختلفة، منها وصف حال الخائفين يوم القيامة، ومنها الإشارة إلى الأمن والطمأنينة التي ينعم بها المؤمنون. كما وردت في الحديث الشريف في سياق الاستعانة بالله في أوقات الشدة والخطوب. في اللهجة الكويتية، تحتفظ “الفزعة” بمعانيها الأصلية، ولكنها تكتسب دلالة خاصة تتعلق بالتعبئة الشعبية والمساعدة المتبادلة.
الفزعة في السياق الكويتي الحديث
على مر العصور، ظلت “الفزعة” سمة مميزة للمجتمع الكويتي. ففي أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية، تتكاتف جهود الأفراد والمؤسسات لتقديم المساعدة للمتضررين. وقد تجلى ذلك في العديد من المبادرات الشعبية التي تهدف إلى تخفيف المعاناة على المحتاجين، سواء من خلال التبرعات العينية أو النقدية، أو من خلال التطوع لتقديم الخدمات الإنسانية.
بالإضافة إلى ذلك، تعتبر “الفزعة” تعبيرًا عن الانتماء والولاء للوطن. ففي الأوقات التي تتعرض فيها الكويت لخطر أو تهديد، يخرج المواطنون للتعبير عن دعمهم وثقتهم بقيادتهم، والاستعداد للدفاع عن أرضهم وعرضهم. وقد شهدنا ذلك في العديد من المناسبات، بما في ذلك الغزو العراقي للكويت في عام 1990.
دور الفزعة في تعزيز التماسك الاجتماعي
تلعب “الفزعة” دورًا حيويًا في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع الكويتي. فهي تشجع على التعاون والتكافل والإيثار، وتغرس في النفوس قيم المسؤولية الاجتماعية والوطنية. كما أنها تعزز الشعور بالانتماء والولاء للوطن، وتوحّد الناس في مواجهة التحديات والمحن.
تتجلى أهمية “الفزعة” في قدرتها على تجاوز الخلافات والصراعات الشخصية، وتوحيد الجهود في سبيل تحقيق الأهداف المشتركة. ففي أوقات الأزمات، يتخلى الناس عن مصالحهم الشخصية، ويتكاتفون من أجل مصلحة الوطن والمواطنين. وهذا يساهم في بناء مجتمع متماسك وقوي، قادر على مواجهة أي تحدي.
إن مفهوم “الفزعة” يتجاوز حدود المساعدة المادية والمعنوية، ليشمل أيضًا دعم المبادرات الاجتماعية والثقافية التي تهدف إلى تطوير المجتمع وتقدمه. فالكويتيون لا يترددون في تقديم الدعم للمشاريع التي تخدم الصالح العام، وتشجع على الإبداع والابتكار. وهذا يعكس إيمانهم بأهمية الاستثمار في المستقبل، وبناء جيل قادر على حمل رسالة التنمية والازدهار.
تُعدّ مبادرات مثل حملات التبرع للمتضررين في الخارج، والجهود التطوعية في القطاعات الصحية والتعليمية، أمثلة واضحة على تجسيد قيمة “الفزعة” في المجتمع الكويتي. هذه المبادرات تعكس وعيًا عميقًا بالمسؤولية الإنسانية، ورغبة في تقديم المساعدة للآخرين، بغض النظر عن جنسياتهم أو معتقداتهم.
في الختام، تبقى “الفزعة” قيمة راسخة في التراث الكويتي، ومصدر قوة وتماسك للمجتمع. ومن المتوقع أن يستمر الكويتيون في التمسك بهذه القيمة، وتجسيدها في أفعالهم ومواقفهم، وأن يظلوا مثالًا يحتذى به في التعاون والتكافل والإيثار. يجب على المؤسسات الإعلامية والتعليمية العمل على تعزيز هذه القيمة ونشرها بين الأجيال القادمة، لضمان استمراريتها وتأثيرها الإيجابي على المجتمع.













