تعتبر القراءة من العادات اليومية المفيدة على نطاق واسع، حيث ترتبط بتعزيز القدرات الذهنية وتنمية الذكاء الاجتماعي، بل وتشير بعض الدراسات إلى صلتها بإطالة العمر. لكن، بالإضافة إلى هذه الفوائد المعروفة، قد تلعب القراءة قبل النوم دوراً هاماً في تحسين جودة النوم وزيادة مدته، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من روتين صحي لليلة هادئة.
ما الذي تقدمه القراءة قبل النوم؟
تظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يخصصون وقتاً للقراءة قبل النوم غالباً ما يحظون بنوم أعمق، ويستيقظون مرات أقل خلال الليل، كما ينامون لساعات أطول. ويرجع المختصون هذه النتائج إلى مجموعة من العوامل، أبرزها قدرة القراءة على تهدئة العقل وتقليل التوتر.
مساعدة الدماغ على الاستعداد للراحة
تشير الدراسات إلى أن المواظبة على القراءة قبل النوم تساهم في ضبط الساعة البيولوجية للجسم، المسؤولة عن تنظيم إيقاع النوم والاستيقاظ. كما تساعد على الاسترخاء وتبعث بإشارة واضحة للجسم بأن وقت النشاط قد انتهى، ما يهيئه تدريجياً للدخول في حالة النوم. هذا التأثير يعود إلى قدرة القراءة على تحويل التركيز بعيداً عن الأفكار المقلقة والمحفزة.
ويعود ذلك إلى آلية بيولوجية بسيطة، إذ تعمل القراءة على خفض مستوى اليقظة الذهنية التي تُبقي الإنسان مستيقظاً، وتساعد على تهدئة ضربات القلب وإرخاء العضلات. وإضافة إلى ذلك، تعد القراءة بديلاً صحياً لاستخدام الشاشات، ما يتيح لهرمون الميلاتونين، المرتبط بالنوم، أن يرتفع بصورة طبيعية. التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يعيق إنتاج هذا الهرمون الضروري.
تهدئة التوتر وضجيج الأفكار
يعاني كثيرون من فرط التفكير قبل النوم، إذ تتزاحم في الذهن ذكريات الماضي ومخاوف المستقبل، ما يصعب الاستغراق في النوم. غير أن استبدال هذا التفكير المشتت بالقراءة والتركيز على قصة أو فكرة واحدة يمكن أن يحد من دوامة القلق ويُسهم في تهدئة العقل. وتشير دراسات إلى أن القراءة قبل النوم قد تكون مفيدة أيضاً لمن يعانون من تشتت الانتباه، لأنها توجه التركيز في مسار واحد.
تحسين جودة النوم
تفيد أبحاث عديدة بأن القراءة قبل النوم تساهم في الاستغراق في النوم بسرعة أكبر، وتحسن جودته، إذ تساعد على الحصول على نوم أعمق ولمدة أطول. كما أظهرت دراسة أن إدخال هذه العادة ضمن الروتين الليلي يساعد الدماغ على التحول إلى وضع الراحة، ويعزز نمطاً من النوم الأكثر عمقاً وانتظاماً.
وتشير التقارير إلى أن القراءة المنتظمة قبل النوم يمكن أن تقلل من أعراض الأرق الخفيف، وتساعد على تنظيم دورات النوم الطبيعية. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى نوعية القراءة والإضاءة المستخدمة لتحقيق أقصى فائدة.
بديل صحي للشاشات
يلجأ كثيرون إلى تصفح الهواتف أو مشاهدة التلفاز قبل النوم، وغالباً ما يمتد ذلك لساعات بدون انتباه. هذه العادة تبقي الدماغ في حالة تنبيه مستمر، وتحد من إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم العميق. في المقابل، تساعد القراءة على تهدئة النشاط الذهني وتعزيز إفراز هذا الهرمون، ما يجعلها بديلاً صحياً وفعالاً عن الشاشات قبل النوم.
ما الكتب الأنسب للقراءة قبل النوم؟
ليست جميع الكتب مناسبة لوقت النوم، فالغرض من القراءة ليلاً هو مساعدة الجسم على الاسترخاء لا تحفيزه. لذلك يفضل الابتعاد عن الكتب المليئة بالإثارة والتشويق، كما ينصح بعدم التعامل مع القراءة كهدف لإنهاء عدد محدد من الصفحات أو الفصول، لأن ذلك قد يأتي بنتيجة عكسية ويدفع إلى السهر لفترة أطول من المخطط لها. الكتب ذات المحتوى الهادئ هي الأفضل.
ويرى الخبراء أن الاختيار الأمثل يكون لكتب ذات محتوى هادئ أو مألوف، مثل روايات خفيفة، أعمال لكاتب مفضل، مقالات تأملية، أو كتب معرفية بسيطة لا تتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً. الهدف هو إشغال العقل بشيء ممتع ولكنه غير محفز.
كما يوصى بتجنب أجهزة القراءة الإلكترونية قبل النوم، نظراً لما تصدره من ضوء أزرق يعيق إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم. وعلى الرغم من أن بعض هذه الأجهزة تتيح تقليل هذا الضوء، فإنها لا تلغيه تماماً، ما يجعل الكتب الورقية التقليدية الخيار الأفضل في هذا التوقيت.
ما الإضاءة المناسبة للقراءة في السرير؟
لا تقل الإضاءة أهمية عن نوعية القراءة نفسها. فالإضاءة الساطعة تبقي الدماغ في حالة يقظة، بينما قد تسبب الإضاءة الخافتة جداً إجهاداً للعينين. لذلك ينصح باستخدام مصباح جانبي بإضاءة ناعمة بدلاً من الإضاءة العلوية القوية، على أن يكون لون الضوء أبيض دافئاً أو محايداً. كما يفضل توجيه الضوء نحو الكتاب من الجانب أو فوق الكتف، لا مباشرة إلى العينين، لتقليل الوهج والإجهاد.
وقبل البدء بالقراءة بنحو نصف ساعة، ينصح بتخفيف إضاءة الغرفة تدريجياً، لمساعدة العينين والجسم على الاستعداد للنوم.
كيف تبني عادة القراءة قبل النوم؟
كل ما عليك فعله هو البدء بخطوات بسيطة، ابدأ بالقراءة لبضع دقائق فقط قبل النوم ثم حاول أن تزيد المدة تدريجياً لتصل إلى نصف ساعة. واحرص على أن تكون القراءة آخر خطوة تقوم بها بعد إنهاء جميع المهام الليلية، مثل تنظيف الأسنان وضبط المنبه وإبعاد الهاتف. بذلك تصبح القراءة الإشارة النهائية للدماغ بأن وقت النوم قد حان.
من المتوقع أن تظهر المزيد من الدراسات حول تأثير القراءة على النوم في الأشهر القادمة، مع التركيز على أنواع الكتب والإضاءة الأكثر فعالية. من المهم أيضاً مراقبة تأثير هذه العادة على جودة النوم الشخصية وتعديلها حسب الحاجة. يجب استشارة الطبيب في حالة استمرار مشاكل النوم.













