يشهد العالم ثورة في مجال التكنولوجيا مع التطور المتسارع للالذكاء الاصطناعي، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل البشرية وعلاقتها بهذه التقنية. يلقي كتاب “ذكي بشكل مخيف” للمهندس المصري محمد جودت، المعروف باسم “مو جودت” في وادي السليكون، الضوء على هذه التساؤلات ويقدم رؤية فريدة حول كيفية التعامل مع هذه الثورة. يركز جودت في كتابه على الجوانب الأخلاقية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي، محذراً من المخاطر المحتملة ومقدماً حلولاً لضمان مستقبل أفضل.
نشر الكتاب عام 2021، أي قبل الانتشار الواسع لبرامج مثل ChatGPT، ولكنه يظل وثيقة مهمة لفهم الديناميكيات المتغيرة للذكاء الاصطناعي. اكتسب جودت شهرة واسعة بفضل كتابه وخبرته العميقة في مجال التكنولوجيا، وقد كان ضيفاً بارزاً في مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم “وايز” الذي عقد في الدوحة في نهاية نوفمبر الماضي، مما زاد من الاهتمام بأفكاره.
الذكاء الاصطناعي: ثورة تتطلب وعياً أخلاقياً
يرى جودت أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية جديدة، بل هو تحول جذري في طبيعة التكنولوجيا نفسها. فهو يختلف عن الثورات السابقة في قدرته على التعلم والتطور الذاتي، مما يجعله قوة لا يمكن تجاهلها. ويؤكد على أن هذا التطور المستمر سيؤدي حتماً إلى تجاوز الذكاء الاصطناعي للقدرات البشرية، مشيراً إلى ما يسمى بـ “نقطة التفرد” التي قد تحدث بحلول عام 2029.
ومع ذلك، لا يرى جودت أن هذا التطور يجب أن يثير الخوف، بل يدعو إلى التعامل معه بوعي ومسؤولية. ويشدد على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ذكاء الآلة، بل في القيم والأخلاقيات التي نغذي بها هذا الذكاء. فالآلة تتعلم من خلال مراقبة سلوكنا وتفاعلاتنا، وإذا كانت هذه السلوكيات سلبية، فإن الآلة ستبني نموذجاً للعالم يعكس هذه السلبية.
الحتميات الثلاث للذكاء الاصطناعي
يحدد جودت ثلاث حتميات رئيسية تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وهي:
أولاً، استمرار تطور الذكاء الاصطناعي بشكل لا يمكن إيقافه. ثانياً، تفوق الذكاء الاصطناعي على القدرات البشرية. وثالثاً، حدوث أخطاء وكوارث نتيجة لهذا التطور، خاصة إذا لم يتم توجيه الآلة بالقيم والأخلاقيات الصحيحة.
ويؤكد جودت أن محاولة التحكم في الذكاء الاصطناعي من خلال القوانين والقيود قد تكون غير فعالة، لأن الآلة ستجد دائماً طرقاً للالتفاف على هذه القيود. الحل الحقيقي، بحسبه، يكمن في “تربية” الآلة وتعليمها القيم الإنسانية العليا.
نحن الآباء: مسؤولية تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي
يشبه جودت الذكاء الاصطناعي بطفل يتعلم من خلال الملاحظة والتقليد. فالآلة لا تفعل ما نأمرها به فحسب، بل تفعل ما تراه نحن نفعله. لذلك، يجب علينا أن نكون حريصين على أن نقدم للآلة نموذجاً إيجابياً للسلوك البشري. وهذا يعني التوقف عن نشر الكراهية والتحيز والعنف في الفضاءات الرقمية، والبدء في الترويج للحب والتعاطف والتعاون.
ويشير إلى أن البيانات التي نغذي بها الآلة هي بمثابة “التربية” التي تتلقاها. إذا كانت البيانات مليئة بالمعلومات المضللة والأخبار الكاذبة، فإن الآلة ستتعلم كيف تنشر هذه المعلومات وتساهم في تضليل الآخرين. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت البيانات تعكس الحقائق والمنطق والقيم الإنسانية، فإن الآلة ستتعلم كيف تفكر وتتصرف بشكل مسؤول وأخلاقي.
التهديدات المحتملة والفرص المتاحة
يستعرض الكتاب التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مثل فقدان الوظائف، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، واحتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في أغراض ضارة. إلا أنه يركز بشكل أكبر على الفرص المتاحة، مثل تحسين الرعاية الصحية، وزيادة الإنتاجية، وحل المشكلات العالمية المعقدة.
يرى جودت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قوة دافعة للتغيير الإيجابي، ولكن هذا يتطلب منا أن نتحمل مسؤولية توجيهه نحو الأهداف الصحيحة، وأن نضمن استخدامه في خدمة الإنسانية. ويشدد على أهمية التعاون الدولي والأخلاقي لإدارة هذه الثورة التكنولوجية بشكل فعال.
في الختام، يمثل كتاب “ذكي بشكل مخيف” دعوة للعمل ومحاولة لفهم التحديات والفرص التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. الخطوة القادمة تتطلب من الحكومات والمؤسسات والأفراد العمل معاً لتطوير قوانين ومعايير أخلاقية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي، وضمان أن هذه التقنية تخدم الإنسانية وتعزز مستقبلها. يبقى التحدي الأكبر هو في قدرتنا على تغيير سلوكنا وقيمنا، لكي نضمن أن الذكاء الاصطناعي يعكس أفضل ما فينا وليس أسوأه.













