بيروت – لا يمكن فهم ملف السلاح الفلسطيني في لبنان بمعزل عن التطورات الجيوسياسية الإقليمية والداخلية، حيث تسعى الفصائل الفلسطينية إلى إعادة تقييم دورها العسكري في ظل تحولات سياسية واجتماعية عميقة. يشكل هذا الملف تحديًا معقدًا للحكومة اللبنانية التي تسعى إلى تعزيز سلطتها على كامل الأراضي، بينما تحرص على تجنب أي تصعيد قد يؤثر على الاستقرار الهش في المخيمات. السعي للسيطرة على السلاح الفلسطيني يمثل جزءًا من جهود أوسع نطاقًا للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان.
تتعامل الدولة اللبنانية مع مسألة السلاح الفلسطيني من منظور السيادة الوطنية، وتعتبر استمرار وجود أسلحة خارجة عن القانون بمثابة تهديد أمني. ومع ذلك، تواجه الحكومة حساسية بالغة تجاه الظروف المعيشية الصعبة في المخيمات، وتخشى من أن يؤدي أي تدخل أمني إلى إشعال فتيل التوتر أو إلى تدخلات خارجية غير مرغوب فيها. يأتي هذا في وقت تعاني فيه الدولة اللبنانية نفسها من أزمات سياسية واقتصادية متعددة.
تطورات تسليم السلاح الفلسطيني
على مدار الأشهر الماضية، شهد لبنان عملية تدريجية لتسليم الأسلحة الفلسطينية للجيش اللبناني، بدأت في 21 أغسطس/آب الماضي مع مخيم برج البراجنة في بيروت. تلتها خطوات مماثلة في مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي في مدينة صور في 28 أغسطس، ثم دفعة ثالثة من مخيمات برج البراجنة ومار إلياس وشاتيلا في 29 أغسطس. هذه الخطوات جاءت في إطار تفاهمات بين القيادة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، وبدعم من جهات إقليمية ودولية مهتمة بالاستقرار في المنطقة.
أهداف العملية
تهدف هذه العملية إلى تحقيق عدة أهداف، بما في ذلك خفض منسوب التوتر الأمني في المخيمات، وتعزيز التنسيق بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني، وتقليل خطر وقوع اشتباكات مسلحة. إضافة إلى ذلك، تسعى الحكومة اللبنانية إلى بسط سيطرتها الكاملة على الأراضي اللبنانية، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وتشمل الجهود أيضًا إعادة تقييم دور الفصائل الفلسطينية في لبنان، والعمل على تحويلها من قوى عسكرية إلى قوى سياسية فاعلة.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه العملية قد لا تكون كافية لتحقيق الاستقرار الدائم في المخيمات، ما لم ترفق بخطوات ملموسة لتحسين الظروف المعيشية، وتوفير فرص العمل، ومنح الفلسطينيين حقوقهم المدنية الكاملة. فالتجارب السابقة أظهرت أن تسليم السلاح وحده لا يكفي إذا لم يتم معالجة الأسباب الجذرية للتوتر.
ردود الفعل الفلسطينية
تتباين ردود الفعل الفلسطينية تجاه عملية تسليم السلاح. فبعض الفصائل، وعلى رأسها حركة فتح، تتعاون مع الجيش اللبناني وتعتبر هذه الخطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار والحفاظ على الأمن. في المقابل، تعبر فصائل أخرى، مثل حماس، عن تحفظاتها وتشدد على أن السلاح الفلسطيني هو جزء من الحق في المقاومة، ولا يمكن التنازل عنه قبل تحقيق حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. تعتبر حماس أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تكون شاملة وتراعي الظروف الخاصة للاجئين الفلسطينيين.
صرح مسؤول العلاقات العامة والإعلام في مخيم عين الحلوة، عبد الهادي أسدي، بأن تسليم السلاح هو نتيجة للتفاهمات بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، ولعمل اللجنة المشتركة التي انبثقت عن لقائهما. وأكد أسدي أن التنسيق مع الدولة اللبنانية قائم على أعلى المستويات، وأن السلاح المسلم هو سلاح ثقيل مخزن وغير مستخدم في المواجهات الأمنية.
في السياق نفسه، أكد المسؤول الإعلامي لحركة حماس في لبنان، وليد كيلاني، أن ملف السلاح الفلسطيني لا يمكن فصله عن قضايا اللاجئين الأخرى، مثل الحق في العمل والتملك، والرعاية الصحية والتعليم. وانتقد كيلاني المقاربات الجزئية التي تركز على تسليم السلاح دون معالجة هذه القضايا مجتمعة.
التحديات المستقبلية
يبقى مستقبل السلاح الفلسطيني في لبنان غير واضح. فالوضع السياسي والاقتصادي الهش في لبنان، والانقسام الفلسطيني الداخلي، يشكلان تحديين كبيرين أمام تحقيق الاستقرار الدائم في المخيمات. إضافة إلى ذلك، فإن التوتر الإقليمي المتزايد، والتهديدات الإسرائيلية المستمرة، قد تدفع بعض الفصائل إلى إعادة التفكير في دورها العسكري. كما أن مسألة الملاحقات القضائية للمطلوبين الأمنيين من الفلسطينيين لا تزال تشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين.
الخطوة التالية المتوقعة هي استمرار عملية تسليم السلاح في المخيمات المتبقية، مع التركيز على الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. إلا أن نجاح هذه العملية يتوقف على قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى اتفاق شامل يتناول جميع جوانب الملف الفلسطيني، وعلى توفير الدعم اللازم لتحسين الظروف المعيشية في المخيمات. من المهم مراقبة تطورات الوضع السياسي في لبنان، والتوصل إلى حلول جذرية للقضايا العالقة، لضمان استمرار عملية تسليم السلاح وتجنب أي تصعيد قد يهدد الاستقرار.
ويتطلب حل هذه القضية إيجاد توازن دقيق بين مطالب الدولة اللبنانية بالسيادة والأمن، وحقوق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم والمحافظة على هويتهم الوطنية. فالتعامل مع هذا الملف بحكمة ومسؤولية يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف المعنية على بناء مستقبل أفضل للعلاقات اللبنانية الفلسطينية.













