يتساءل العلماء منذ عقود عن سبب وجود “أرقام أساسية تتحكم في الكون”، والمعروفة باسم الثوابت الأساسية للطبيعة، مثل سرعة الضوء وقوة الجاذبية وكتلة الإلكترون. هذه الأرقام ضرورية لفهم القوانين الفيزيائية، ولكن لا يوجد تفسير واضح للقيم التي حددها العلم لكل منها. هذا البحث المستمر حول الثوابت الأساسية يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الكون ومستقبله.
تعتمد الفيزياء على المعادلات لوصف الظواهر الطبيعية والتنبؤ بسلوكها، من حركة الجسيمات الصغيرة جدًا إلى تطور الكون بأكمله. ومع ذلك، عند ربط هذه المعادلات بالواقع، يضطر العلماء إلى إدخال أرقام محددة وثابتة دون معرفة أصلها النظري. وهذا يفتح الباب أمام سؤال فلسفي عميق: هل هذه الأرقام مجرد “حقائق مصادفة” في كوننا، أم أنها دليل على بنية أعمق، ربما غير مرئية، تحكم كل شيء؟
رحلة البحث عن تغير في الثوابت الأساسية
يبلغ عدد هذه الثوابت أكثر من 20 ثابتًا تصف قوى الطبيعة الأربع (قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية القوية والقوة النووية الضعيفة) وخصائص الجسيمات الأساسية، وبعض جوانب الزمان والمكان. السؤال الكبير هو: هل هذه الأرقام ثابتة فعلاً أم يمكن أن تتغير؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، يُجري العلماء تجارب دقيقة جدًا للبحث عن أي انحراف محتمل في هذه القيم عبر الزمان أو المكان. ويستخدم الفلكيون “مختبرات سماوية” متمثلة في الكويزارات البعيدة؛ وهي مجرات تحوي ثقوبًا سوداء عملاقة، يمثل ضوؤها القادم إلينا من مليارات السنين “سجلاً تاريخيًا” لقوانين الفيزياء القديمة.
وبينما تراقب الساعات الذرية فائقة الدقة أي تذبذب في الحاضر، تشير ملاحظات إشعاع الخلفية الكونية إلى ثبات مذهل. وحتى الآن ثبتت دقة بعض الثوابت إلى حد جزء واحد من مليار في السنة، ومع ذلك لا يمكن الجزم بنسبة 100% بأن هذه الأرقام ثابتة للأبد؛ فربما نحن نعيش في “فقرة” زمنية هادئة من تاريخ كون متطور.
هل جاءت هذه الأرقام عبثًا؟
تثير هذه “الثوابت” تساؤلات تتجاوز الفيزياء لتصل إلى جوهر الوجود، إذ يرى العلماء أن “الضبط الدقيق” (Fine-Tuning) للكون ليس مجرد مصادفة إحصائية. وهذه بعض الأمثلة التي تدلل على ذلك:
- الكثافة الحرجة ومعدل توسع الكون: بعد الانفجار العظيم ظل الكون يتوسع بسرعة هائلة، ولو كان التوسع أسرع بنسبة ضئيلة جدًا لتشتت المادة قبل أن تتمكن الجاذبية من تجميعها، ولما تولدت المجرات أو النجوم.
- نسبة القوة الكهرومغناطيسية إلى الجاذبية: تزيد القوة الكهرومغناطيسية عن قوة الجاذبية بمقدار تريليون تريليون تريليون مرة. ولو كانت الجاذبية أقوى قليلاً، فستكون النجوم أصغر حجمًا وأكثر كثافة.
- رنين الكربون: لكي يتكون الكربون بداخل النجوم يجب أن تصطدم 3 أنوية هيليوم معا في وقت واحد تقريبًا، وهذه العملية صعبة جدًا فيزيائيًا ولكنها تحدث بفضل وجود “رنين” محدد بدقة شديدة لنواة الكربون.
- الفرق بين كتلة البروتون والنيوترون: يزن النيوترون أكثر من البروتون بنسبة ضئيلة جدًا، ولو كان النيوترون أخف قليلاً، لتحولت كل البروتونات في الكون إلى نيوترونات فورا بعد الانفجار العظيم.
- ثابت القوة النووية القوية: هذه هي القوة التي تربط النواة ببعضها، ولو كانت أضعف بنسبة 1% لما تمكنت البروتونات والنيوترونات من الالتصاق ببعضها.
يقول البروفيسور اللبناني منيب العيد أستاذ الفيزياء الكونية بالجامعة الأمريكية ببيروت: “حين أنظر إلى هذه الأرقام أدرك أن خلفها قدرة خارقة، إذ لا يمكن للحياة أن تنشأ لو لم تكن النسبة بين القوتين الكهرومغناطيسية والجاذبية أقل من ذلك”.
نبوءة القادمين إلى الوجود
في هذا السياق، يشير الفيلسوف وعالم الفيزياء “روبين كولينز” إلى أن دقة الثوابت تجعل الكون معدًا ليس فقط لوجود الحياة، بل لإمكانية اكتشافنا هذه القوانين نفسها، مما يجعل فكرة التصميم “حقيقة جديرة بالاهتمام”.
أما الفيزيائي الكوني الشهير “بول ديفيز”، فيؤكد أن الكون يبدو “مضبوطًا بشكل مناسب للحياة”، مما “يفتح المجال للتفكير بوجود سبب أعمق وراء ذلك التناغم”.
ولعل الاقتباس الأكثر إدهاشًا هو ما صدر عن عالم الفيزياء والرياضيات البريطاني “فريمان دايسون” عندما قال “كلما فحصت الكون وتفاصيله، وجدت المزيد من الأدلة على أنه بطريقة ما كان يجب أن يعرف أننا قادمون”.
هذا الطابع المذهل للثوابت يدعو إلى التأمل في إمكانية وجود قوة عظيمة وخالق حكيم يقف وراء هذا النظام المتناغم. وكما ختم بارو محاضراته، فإن أسرار الكون لم تُكشف بعد بالكامل؛ فالثوابت الأساسية قد تكون “ظلالاً” لقوانين في أبعاد أعلى لا نراها بعد. من المتوقع أن تستمر الأبحاث حول هذه الثوابت في السنوات القادمة، مع التركيز على التجارب الأكثر دقة وتحليل البيانات الجديدة من المراصد الفضائية، وذلك بحلول نهاية عام 2026.













