يُعد المخرج الإيطالي لوكا جوادنينو من أبرز المبدعين السينمائيين المعاصرين، وقد اكتسب شهرة واسعة خلال العقد الماضي بفضل أفلامه المتميزة التي أثارت نقاشات نقدية مكثفة. فيلمه الجديد “بعد الصيد” (After the Hunt) يواصل استكشاف المناطق الرمادية أخلاقياً، ولكن هذه المرة في بيئة أكاديمية مغلقة، من خلال قصة متشابكة تتناول قضايا الاتهام، والسلطة، وتأثير حركة “أنا أيضاً” (Me Too) على المجتمع.
الفيلم من بطولة نخبة من الممثلين، منهم جوليا روبرتس، وآيو إيديبيري، وأندرو غارفيلد، بالإضافة إلى مايكل ستوهلبارج وكلوي سيفيني. وقد عُرض الفيلم لأول مرة عالمياً في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، ثم في مهرجان نيويورك السينمائي، قبل أن يكون متاحاً للمشاهدين على منصة برايم.
ألما: امرأة من جيل الصمت
تدور أحداث “بعد الصيد” داخل حرم جامعة “ييل” المرموقة، حيث تعيش أستاذة الفلسفة ألما (جوليا روبرتس) حالة من عدم الاستقرار بعد اتهام أحد الأساتذة -وهو صديقها المقرب هانك (أندرو غارفيلد)- بالتحرش الجنسي من قبل طالبة شابة تدعى ماجي (آيو إيديبيري). سرعان ما يتجاوز هذا الاتهام الإطار الشخصي ليتحول إلى أزمة مؤسسية تهدد سمعة الجامعة وتضع جميع الأطراف المعنية تحت ضغط أخلاقي وإعلامي متزايد.
الفيلم لا يركز بشكل مباشر على تجربة الضحية، بل يضع ألما في قلب الأحداث، بوصفها نتاجاً لجيل مختلف تماماً عن جيل ماجي. جيل لم يكن فيه الاعتداء الجنسي يُعترف به كجريمة، بل كأمر يمكن تجاهله أو التعايش معه حفاظاً على المسار المهني.
ألما، التي خاضت صراعاتها الأكاديمية والشخصية في ظروف قاسية، وجدت نفسها مضطرة للصمت والتنازل في الماضي. هذا الماضي يؤثر بشكل كبير على نظرتها إلى اتهام ماجي، مما يجعلها شخصية معقدة ومتناقضة.
الفيلم لا يسعى إلى تقديم ألما كشخصية شريرة، بل يوضح الصراع الداخلي الذي تعيشه. فهي تشعر بالولاء لصديقها هانك، وفي الوقت نفسه تخشى على مكانتها العلمية وسمعتها. كما أنها تعاطف مع الطالبة، لكنها تجد صعوبة في الاعتراف بمشاعرها بسبب مخاوفها الشخصية.
تأثير حركة “أنا أيضاً” على المؤسسات الأكاديمية
يطرح فيلم “بعد الصيد” تساؤلات مهمة حول كيفية تعامل المؤسسات مع قضايا التحرش الجنسي في أعقاب حركة “أنا أيضاً”. الفيلم يصور كيف يمكن أن تتحول هذه الحركة إلى مجرد إجراء شكلي، حيث تُرفع الشعارات وتُستدعى القيم الأخلاقية دون تطبيقها بشكل فعلي.
داخل عالم الفيلم، تبدو آليات التعامل مع الاعتداء منظمة وقانونية، ولكنها في الواقع مصممة لحماية المؤسسة والسلطة القائمة، وليس لحماية الناجيات. فالاجتماعات واللجان والبيانات الرسمية لا تهدف إلى تحقيق العدالة، بل إلى تقليل الأضرار وتجنب الفضيحة.
الفيلم يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الناجيات من التحرش الجنسي، وكيف يمكن أن يتحول الإبلاغ عن الاعتداء إلى عبء إضافي عليهن. فبدلاً من الحصول على الدعم والحماية، قد يجدن أنفسهن في مواجهة المزيد من الضغوط والاتهامات.
بالإضافة إلى ذلك، يركز الفيلم على مفهوم التقاطعية (Intersectionality)، خاصةً فيما يتعلق بالجندر والعرق. شخصية ماجي، التي تؤديها آيو إيديبيري، تمثل هذا التقاطع، حيث تواجه تحديات إضافية بسبب هويتها كمرأة سمراء.
هذا البعد يخرج بالفيلم من كونه مجرد دراما جامعية محصورة، ليصبح تعبيراً عن قضايا اجتماعية أوسع نطاقاً. الفيلم يطرح أسئلة حول كيفية تمثيل الأقليات في الحوارات العامة، وكيف يمكن ضمان حصول الجميع على العدالة والحماية.
نظرة نقدية على الخطاب الإعلامي والاجتماعي
أظهرت مواقف فردية خلال العرض الإعلامي للفيلم التحديات التي تواجهها قضية التقاطعية في الحوارات العامة. في مقابلة صحفية بمهرجان فينيسيا، وجهت صحفية أسئلة حول حركات “أنا أيضاً” و”حياة السود مهمة” (Black Lives Matter) إلى جوليا روبرتس وأندرو غارفيلد فقط، متجاهلة آيو إيديبيري، على الرغم من أنها تمثل تقاطع الجندر والعرق.
هذا الموقف، الذي أثار استغراب الممثلين الآخرين، يعكس كيف يمكن أن يتم استبعاد أصوات الأقليات في النقاشات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية. ردت إيديبيري بشكل عفوي، مؤكدة أن هذه الحركات لا تزال حية وأن العمل مستمر في مكافحة الظلم والتمييز.
الفيلم يثير أيضاً تساؤلات حول دور السينما في معالجة هذه القضايا. هل يجب أن تقدم السينما إجابات واضحة، أم أن دورها يقتصر على طرح الأسئلة وإثارة الجدل؟
في الختام، فيلم “بعد الصيد” هو عمل سينمائي معقد ومثير للتفكير، يتناول قضايا حساسة بطريقة جريئة ومبتكرة. من المتوقع أن يثير الفيلم نقاشات واسعة حول قضايا السلطة، والتحرش الجنسي، وحركة “أنا أيضاً”، والتقاطعية. سيستمر تحليل الفيلم وتأثيره على الخطاب العام في الأشهر القادمة، خاصةً مع استمرار عرضه على منصات البث المختلفة. من المهم متابعة ردود الفعل النقدية والاجتماعية لتقييم الأثر الكامل لهذا العمل السينمائي المتميز.













