في قضاء داقوق التابع لمحافظة كركوك شمال العراق، يظل الجسر العثماني التاريخي صامدًا كشاهد على متانة العمارة في تلك الحقبة، متحديًا عوامل الزمن والتقلبات المناخية. الجسر، الذي يربط ضفتي نهر داقوق، لا يزال يؤدي وظيفته الحيوية كمعبر رئيسي للسكان والبضائع، مما يجعله معلمًا أثريًا وعصيًا على النسيان.
على الرغم من تعرض المنطقة لفيضانات وسيول متكررة، خاصة خلال موجة الأمطار الغزيرة التي بدأت في 9 ديسمبر/كانون الأول 2025، أثبت الجسر العثماني قدرته الفائقة على الصمود، ولم يلحق به أي ضرر يذكر، وهو ما لفت انتباه السكان المحليين والخبراء في مجال التراث.
الجسر العثماني: إرث معماري متين
يعود تاريخ بناء الجسر العثماني إلى أوائل السبعينيات من القرن التاسع عشر، وتم الانتهاء منه في عام 1883، خلال فترة ولاية مدحت باشا على بغداد. يعتبر الجسر جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، حيث كان نقطة وصل حيوية على طريق القوافل التجارية التي تربط شمال العراق بوسطه وجنوبه.
أكد مدير الآثار في محافظة كركوك، رائد عكلة، أن الجسر يمثل أحد أبرز المعالم التاريخية في المحافظة، وأشار إلى استخدام تقنيات بناء متطورة في ذلك الوقت، بما في ذلك معالجة الحجارة حرارياً لزيادة صلابتها ومقاومتها للعوامل الجوية القاسية. هذه التقنيات ساهمت في الحفاظ على الجسر على مر السنين.
متانة التصميم ومقاومة الفيضانات
أظهرت السيول الأخيرة قدرة الجسر على تحمل الضغوط الهيدروليكية العالية، حيث صمم المهندسون العثمانيون الهيكل بطريقة تتيح بمرور المياه بسلاسة دون إلحاق الضرر بالأساسات. على عكس بعض المنشآت الحديثة التي تضررت أو انهارت بسبب الفيضانات، بقي الجسر العثماني ثابتًا، مما يعزز مكانته كتحفة هندسية.
وفقًا للباحث والكاتب العراقي، نجات كوثر أوغلو، فإن الجسر لم يكن مجرد معبرًا تجاريًا، بل كان يحمل رمزية هندسية عميقة، حيث يتكون من 12 قوسًا ترمز إلى أشهر السنة، ويبلغ طوله حوالي 365 مترًا، في إشارة إلى عدد أيام السنة، بينما يبلغ عرضه 7 أمتار، للدلالة على أيام الأسبوع.
دور الجسر في ربط المجتمعات
لطالما لعب الجسر دورًا محوريًا في ربط المجتمعات المحلية وتعزيز التبادل التجاري والثقافي بين مختلف مناطق العراق. كانت القوافل التجارية تعتمد عليه كوسيلة أساسية لنقل البضائع والموارد، مما ساهم في ازدهار الاقتصاد المحلي.
علاوة على ذلك، ساهم الجسر في تعزيز التواصل الاجتماعي بين السكان، حيث كان يمثل نقطة التقاء وتبادل للخبرات والمعلومات. كان السكان المحليون يستخدمونه أيضًا للتنقل بين الضفتين لقضاء الاحتياجات اليومية وزيارة الأقارب والأصدقاء.
جهود الحماية والتأهيل
تدرك السلطات المحلية في كركوك والحكومة المركزية الأهمية التاريخية والثقافية للجسر العثماني، وهناك توجه جاد نحو إيلائه عناية خاصة من خلال تخصيص ميزانية للصيانة والتأهيل. بالإضافة إلى ذلك، هناك مناقشات جارية لإدراج الجسر ضمن المسارات السياحية في المحافظة لزيادة الوعي بأهميته وجذب الزوار.
يأمل المسؤولون المحليون أن تساهم هذه الجهود في الحفاظ على الجسر للأجيال القادمة، وتحويله إلى معلم سياحي يفتخر به أبناء كركوك والعراق بأكمله. ويشيرون إلى أن ترميم الجسر والحفاظ عليه يعكس التزام العراق بالحفاظ على تراثه الثقافي والإنساني.
من المتوقع أن تبدأ فرق التأهيل التابعة لدائرة الآثار في المحافظة عمليات فحص شاملة للجسر في الربع الأول من عام 2026، لتحديد أي أضرار طفيفة قد تكون ناجمة عن عوامل طبيعية. سيتبع ذلك وضع خطة عمل مفصلة لتنفيذ أعمال الصيانة والترميم اللازمة، مع مراعاة الحفاظ على الطابع الأصلي للجسر. لا يزال التحدي الأكبر هو ضمان التمويل المستدام لهذه الجهود على المدى الطويل.













