للمرة الأولى في تاريخها، قررت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” إعادة طاقم كامل من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض لأسباب طبية. هذه الخطوة غير المسبوقة، التي اتخذت في الأول من أكتوبر 2026، تعكس الأولوية القصوى التي توليها الوكالة لصحة وسلامة رواد الفضاء، حتى في بيئة الفضاء الصعبة. وتأتي هذه القرارات في سياق التحديات الصحية الفريدة التي يواجهها رواد الفضاء أثناء مهماتهم الطويلة في المدار.
أعلنت ناسا عن قرارها بإعادة أربعة رواد فضاء قبل الموعد المحدد، بعد اكتشاف حالة طبية غير مستقرة لأحد أفراد الطاقم. وقد استمر تقييم الحالة لساعات قبل اتخاذ القرار، مما يؤكد النهج الحذر الذي تتبعه الوكالة في التعامل مع أي مشكلات صحية محتملة. وتأتي هذه الخطوة بعد أكثر من 25 عامًا من التشغيل المستمر لمحطة الفضاء الدولية دون الحاجة إلى إخلاء طبي كامل.
الصحة في الفضاء: تحديات معقدة
يواجه رواد الفضاء العديد من التحديات الصحية أثناء إقامتهم في الفضاء، بما في ذلك التغيرات في توزيع السوائل في الجسم، وضعف الجهاز المناعي، وفقدان كثافة العظام والعضلات. بالإضافة إلى ذلك، فإن إجراء التشخيصات الطبية المتقدمة والعلاجات في بيئة الجاذبية الصغرى يمثل صعوبة كبيرة. ووفقًا لناسا، فإن هذه العوامل تجعل من الضروري أحيانًا إعادة رواد الفضاء إلى الأرض لتلقي الرعاية الطبية المناسبة.
تفاصيل مهمة “سبيس إكس كرو-11”
يتعلق القرار بمهمة “سبيس إكس كرو-11” ويشمل عودة كل من:
- زينا كاردمان، قائدة المهمة (ناسا).
- مايكل “مايك” فينكي، طيار المهمة (ناسا).
- كيميا يوي، أخصائي مهمة من وكالة الفضاء اليابانية “جاكسا”.
- أوليغ بلاتونوف، أخصائي مهمة من وكالة الفضاء الروسية “روسكوزموس”.
وكان الطاقم قد وصل إلى محطة الفضاء الدولية في أغسطس 2025 على متن كبسولة “كرو دراغن إنديفور” التابعة لشركة “سبيس إكس”، في مهمة كان من المقرر أن تستغرق ستة أشهر. ومع ذلك، فإن الحالة الطبية غير المتوقعة أجبرت ناسا على تعديل خططها.
بدأت القصة في السابع من يناير، عندما أعلنت ناسا عن تأجيل سير فضائي كان من المقرر أن ينفذه كاردمان وفينكي بسبب “مخاوف طبية”. وبعد المتابعة المستمرة، خلصت الفرق الطبية إلى أن التشخيص والعلاج الأمثل يتطلبان العودة إلى الأرض، نظرًا لمحدودية الإمكانات الطبية المتاحة على متن المحطة. وأكد مدير ناسا أن القرار لا يشير إلى حالة طارئة، ولكنه يعكس التزام الوكالة بالسلامة.
أوضح كبير المسؤولين الطبيين في ناسا، الدكتور جيمس بولك، أن الحالة لا ترتبط بالأنشطة الفضائية، بل هي “مسألة طبية ظهرت في بيئة الجاذبية الصغرى، وقررنا التعامل معها بأفضل وسيلة ممكنة”. وأضاف أن هذا القرار يتماشى مع سياسة ناسا التي تعطي الأولوية لصحة رواد الفضاء في جميع الظروف.
تعد هذه الحادثة تذكيرًا بالتحديات الفريدة التي تواجه استكشاف الفضاء، وأهمية الاستعداد لأي طارئ طبي. وتؤكد ناسا أن هذا القرار لا يؤثر بشكل كبير على برنامج محطة الفضاء الدولية، وأن مهمة “كرو-12” ستنطلق في غضون أسابيع، مع وجود ثلاثة رواد فضاء آخرين على متن المحطة.
الآثار المترتبة على مستقبل الرحلات الفضائية
قد تؤدي هذه الحادثة إلى مراجعة البروتوكولات الطبية المتبعة في الرحلات الفضائية الطويلة، وزيادة الاستثمار في تطوير تقنيات التشخيص والعلاج المتقدمة التي يمكن استخدامها في الفضاء. بالإضافة إلى ذلك، قد تدفع ناسا ووكالات الفضاء الأخرى إلى إعادة تقييم معايير اختيار رواد الفضاء، والتأكد من أنهم يتمتعون بصحة بدنية وعقلية ممتازة.
من المتوقع أن تعود كبسولة “كرو دراغن إنديفور” إلى الأرض في غضون أيام قليلة، وسيخضع الطاقم لفحوصات طبية شاملة. وستقوم ناسا بتحليل البيانات الطبية التي تم جمعها لتحديد سبب الحالة الطبية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها في المستقبل. وستراقب الوكالة عن كثب صحة رواد الفضاء الآخرين على متن محطة الفضاء الدولية، وستكون مستعدة لاتخاذ أي إجراءات ضرورية لضمان سلامتهم.
في الختام، يمثل قرار إعادة طاقم “كرو-11” إلى الأرض علامة فارقة في تاريخ استكشاف الفضاء. ويؤكد هذا القرار على الأهمية القصوى لصحة وسلامة رواد الفضاء، ويشير إلى أن ناسا ستواصل إعطاء الأولوية لهذه القيم في جميع مهماتها المستقبلية. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن نتائج التحقيق في هذه الحالة الطبية في غضون أسابيع، مما قد يؤدي إلى تغييرات في البروتوكولات الطبية المتبعة في الرحلات الفضائية.













