لم تعد حركة العلماء بين الولايات المتحدة والصين مجرد تنقل أكاديمي فردي، بل أصبحت جزءًا من مشهد تنافسي أوسع يشمل الدولتين، ويتعلق بتمويل الأبحاث، وجذب الكفاءات العلمية، ونشر الأوراق البحثية، بالإضافة إلى اعتبارات أمنية وسياسية متزايدة الأهمية. هذا التنافس يؤثر بشكل متزايد على مسارات الباحثين، حيث بدأت المعادلة القديمة القائمة على الدراسة في أمريكا ثم الاستقرار فيها تتغير لصالح العودة إلى الصين أو البحث عن فرص في دول أخرى.
مع بداية عام 2025، شهد ملف الهجرة إلى الولايات المتحدة تشديدًا ملحوظًا في الخطاب والتنفيذ. صدر أمر رئاسي في 20 يناير بعنوان “حماية الشعب الأميركي ضد الغزو”، يهدف إلى تغيير آليات تطبيق قوانين الهجرة وربطها بشكل مباشر بالأمن القومي والسلامة العامة. هذا الأمر لا يقتصر على تعديل القوانين، بل يؤثر على سلوك الأجهزة التنفيذية، مما ينعكس على شعور الباحثين الأجانب بالاستقرار.
تأثير التنافس على هجرة العلماء
في يونيو 2025، اتخذ التشدد شكلًا أكثر وضوحًا من خلال مسارين متوازيين. الأول هو توسيع نطاق التدقيق الأمني في تأشيرات الدراسة والتبادل، حيث أعلنت وزارة الخارجية عن تطبيق تدقيق شامل يشمل النشاط الإلكتروني لجميع المتقدمين. هذا يعني أن المراجعة لن تقتصر على الوثائق الأكاديمية والتمويل، بل ستشمل أيضًا البصمة الرقمية للمتقدمين.
أما المسار الثاني، فقد ظهر مع تقارير عن تجميد مؤقت لمواعيد المقابلات الخاصة بتأشيرات الطلاب والتبادل في أواخر مايو 2025، وذلك في إطار التحضير لتوسيع فحص وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التجميد يشير إلى أن القيود الجديدة ليست مجرد إجراءات نظرية، بل لها تأثير مباشر على فرص الحصول على التأشيرة.
لاحقًا، في يونيو 2025، أُعلنت قيود على دخول وإصدار التأشيرات لرعايا دول معينة، بذريعة قصور إجراءات التدقيق وتبادل المعلومات. بدأ تطبيق هذه الإجراءات في 9 يونيو، مما زاد من حالة عدم اليقين لدى الباحثين الدوليين. وفي 19 سبتمبر 2025، صدر إعلان رئاسي يقيد دخول حاملي تأشيرة “إتش-1بي” القادمين من خارج الولايات المتحدة، إلا إذا كان الطلب مصحوبًا بدفع 100 ألف دولار ولمدة محددة.
تُعد تأشيرة “إتش-1بي” أداة تقليدية لجذب المواهب إلى الولايات المتحدة في المجالات المتخصصة. ومع ذلك، فإن القيود الجديدة تجعل هذه التأشيرة أكثر صعوبة وتعقيدًا، مما قد يدفع العديد من الباحثين إلى البحث عن فرص في أماكن أخرى.
باختصار، يمكن وصف موقف الحكومة الأميركية في عام 2025 بأنه يركز على “الردع” و”الفرز الأمني” الصارم، بدلًا من سياسات الجذب والانفتاح التي كانت سائدة في السابق.
جذور التحول في سياسات الهجرة
هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل له جذور أعمق تمتد لسنوات. تحليل بحثي صادر عن “مركز ستانفورد لاقتصاد الصين ومؤسساتها” يتتبع مسار الباحثين عبر منشوراتهم العلمية، وقد رصد مغادرة أكثر من 19 ألف عالم أميركي إلى دول أخرى، بما في ذلك الصين، بين عامي 2010 و2021.
أظهر التقرير أن نسبة المغادرين إلى الصين ارتفعت من 48% في عام 2010 إلى 67% في عام 2021. هذا يشير إلى أن الصين أصبحت وجهة أكثر جاذبية للعلماء، خاصةً مع تزايد الاستثمارات في البحث والتطوير.
الصين لا تعتمد على العودة على المشاعر، بل تقوم ببناء بنية تحتية قوية لجذب العلماء، تشمل تمويلًا أكبر وأسرع، ومكافآت مالية ومهنية مرتبطة بالمناصب، ومختبرات حديثة، بالإضافة إلى مكانة اجتماعية مرموقة للأساتذة والباحثين.
على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال أكبر دولة من حيث الإنفاق على البحث والتطوير (806 مليارات دولار في 2021)، إلا أن الصين تقترب منها بسرعة، حيث أنفقت حوالي 668 مليار دولار في نفس العام. هذا التقارب يجعل العروض التي تقدمها الصين للعلماء أكثر تنافسية.
عوامل إضافية تدفع بالعلماء نحو المغادرة
بالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل أخرى تدفع بالعلماء إلى مغادرة الولايات المتحدة. استطلاع رأي أُجري بين ديسمبر 2021 ومارس 2022 على 1304 باحث من أصول صينية في الولايات المتحدة، كشف أن 72% منهم لا يشعرون بالأمان كباحثين أكاديميين، وأن نسبة مماثلة فكرت في مغادرة البلاد.
هذا الشعور بعدم الأمان يعود إلى عدة عوامل، بما في ذلك المناخ السياسي المتغير، والتدقيق الأمني المتزايد، والتمييز المحتمل. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة غير مشجعة للعلماء، خاصةً أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات عرقية أو ثقافية معينة.
ما تفعله الصين الآن لتعزيز جذب الكفاءات العلمية
في هذا السياق، تواصل الصين جهودها لجذب العلماء من جميع أنحاء العالم. أطلقت مؤخرًا تأشيرة جديدة تُعرف باسم “تأشيرة كيه”، وهي فئة إضافية للتأشيرات العادية تهدف إلى تسهيل دخول وإقامة “المواهب الشابة” في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا.
تتيح هذه التأشيرة للباحثين الدخول إلى الصين دون الحاجة إلى تأمين وظيفة مسبقًا، مما يزيل أحد العوائق الرئيسية التي تواجه الباحثين الدوليين. كما أنها تعكس رغبة الصين في تعزيز تنافسيتها في المجالات الاستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وعلوم المواد المتقدمة.
تجاوزت الصين الولايات المتحدة في عدد الأبحاث المنشورة سنويًا في مجالات العلوم، وهو ما يظهر في مؤشرات مثل “مؤشر نيتشر” الذي يتتبع المساهمات في المجلات العلمية عالية الجودة. في عام 2025، احتلت الصين المرتبة الأولى في هذا المؤشر، بفارق متزايد عن الولايات المتحدة.
كما أن حصة الصين من الأوراق البحثية ضمن أفضل 1% عالميًا من حيث الاستشهادات قد تضاعفت منذ عام 2018، وفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة “سبرينجر نيتشر”. هذا يشير إلى أن الأبحاث الصينية لا تقتصر على الكم، بل تمتد إلى الجودة والتأثير.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تحتل الصدارة من حيث عدد الباحثين شديدي التأثير حول العالم، إلا أن حصة الصين في هذا المجال آخذة في الارتفاع بشكل ملحوظ.
من المتوقع أن تواصل الصين جهودها لتعزيز مكانتها كمركز عالمي للبحث والتطوير، من خلال الاستثمار في البنية التحتية العلمية، وتقديم حوافز للعلماء، وتسهيل إجراءات الهجرة. في المقابل، من المرجح أن تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في الحفاظ على مكانتها الرائدة في هذا المجال، ما لم تتخذ إجراءات لمعالجة العوامل التي تدفع بالعلماء إلى المغادرة.
في الختام، يشير الوضع الحالي إلى أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين على جذب العلماء سيستمر في التصاعد. من المهم مراقبة التطورات في هذا المجال، بما في ذلك السياسات الحكومية، والاستثمارات في البحث والتطوير، والاتجاهات في حركة العلماء. هذه التطورات ستشكل مستقبل الابتكار العلمي والتكنولوجي على مستوى العالم.












