لم تكن بلقيس عوض مجرد ممثلة، بل أيقونة في تاريخ الفن السوداني. رحلت الفنانة القديرة عن عالمنا في مدينة دنقلا، عن عمر يناهز الثمانين عامًا، مخلفة وراءها إرثًا فنيًا غنيًا في المسرح والإذاعة والتلفزيون. وقد شكلت مسيرتها المهنية، التي امتدت لعقود، علامة فارقة في تطور الدراما السودانية، تاركة بصمة لا تُمحى في قلوب محبيها.
ولدت بلقيس عوض في الخرطوم في الأربعينيات، وبدأت مسيرتها الفنية في سن مبكرة على خشبة المسرح، لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز الوجوه النسائية في المسرح القومي بأم درمان. وقد تأثرت أعمالها بدراستها لعلم النفس والاجتماع، مما منحها قدرة فريدة على فهم الشخصيات وتقديمها بأداء مقنع وعميق.
مسيرة بلقيس عوض الفنية: رائدة في زمن التحديات
بدأت بلقيس عوض رحلتها الفنية في فترة شهدت تحديات كبيرة أمام الفنانات السودانيات. ومع ذلك، تمكنت من فرض حضورها بقوة، من خلال أدوارها المميزة في المسرحيات التي عكست قضايا المجتمع السوداني. ومن أبرز أعمالها المسرحية “الغول والغريب” و”زهرة النرجس” و”مركب بلا صياد”، والتي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة حتى اليوم.
لم يقتصر نشاط بلقيس عوض على المسرح، بل امتد ليشمل التلفزيون والإذاعة والسينما. فقد شاركت في العديد من المسلسلات الدرامية التي واكبت تطور الدراما السودانية، مثل “أقمار الضواحي” و”آخر قطار” و”سكة الخطر”. وقد تميزت بأسلوبها البسيط والواقعي في الأداء، مما جعلها قريبة من قلوب المشاهدين.
الإذاعة: مساحة الإبداع الأوسع
تعتبر الإذاعة المجال الأوسع في مسيرة بلقيس عوض الفنية. فقد شاركت في آلاف الأعمال الدرامية المسموعة، وبلغ عدد تسجيلاتها الإذاعية أكثر من خمسة آلاف عمل. كما كانت من أوائل الفنانات السودانيات اللاتي قدمن مسلسلات إذاعية باللغة العربية الفصحى، مما ساهم في إثراء الدراما الإذاعية وتوسيع جمهورها.
تأثير الحرب وتدهور الأوضاع الصحية
مع اندلاع الحرب في السودان، اضطرت بلقيس عوض إلى مغادرة الخرطوم والإقامة في مدينة دنقلا بالولاية الشمالية، مثل العديد من السودانيين الذين أجبرتهم الظروف على البحث عن ملاذ آمن. وقد أثرت الحرب بشكل كبير على صحتها، حيث تدهورت حالتها الصحية في الأشهر الأخيرة.
وبحسب وسائل الإعلام المحلية، فقد رحلت بلقيس عوض في أحد مستشفيات دنقلا، بعد معاناة مع المرض. وقد أثارت وفاتها حزنًا واسعًا في الأوساط الفنية والثقافية السودانية، حيث نعاها العديد من الفنانين والمثقفين.
إرث فني خالد
تركت بلقيس عوض وراءها إرثًا فنيًا غنيًا ومتنوعًا، يضم أعمالًا مسرحية وتلفزيونية وإذاعية وسينمائية. وقد ساهمت في ترسيخ مكانة المرأة في الفن السوداني، وتقديم قضايا المجتمع السوداني بطريقة مقنعة ومؤثرة. كما أنها ألهمت العديد من الفنانين الشباب، الذين يعتبرونها قدوة ومثلًا أعلى.
من المتوقع أن يتم تنظيم فعاليات لتكريم ذكرى بلقيس عوض في الأيام والأسابيع القادمة، وذلك تقديرًا لمساهماتها الفنية والثقافية الكبيرة. ومع استمرار الحرب في السودان، يظل الحفاظ على التراث الفني والثقافي السوداني تحديًا كبيرًا، يتطلب جهودًا مشتركة من جميع الأطراف.













