لطالما اعتقد العلماء أن “الأمونيتات”، وهي كائنات بحرية قديمة تشبه في شكلها الحلزوني الحبار والأخطبوط، انقرضت فوراً مع اصطدام الكويكب العملاق بالأرض قبل نحو 66 مليون سنة، وهو الحدث الذي أنهى عصر الديناصورات. لكن دراسة جديدة نُشرت في دورية “ساينتفيك ريبورتس”، تشير إلى أن الأمونيتات ربما نجت من الضربة الأولى للانقراض الجماعي وعاشت فترة قصيرة بعده، مما يغير فهمنا لكيفية تأثير الكوارث الكونية على الحياة على الأرض.
شارك في هذه الدراسة فريق بحثي دولي بقيادة د. مارسين ماشالسكي، من معهد علم الأحياء القديمة بالأكاديمية البولندية للعلوم. أُجريت الأبحاث في موقع جيولوجي فريد هو “ستيفنز كلينت” بالدنمارك، وهو جرف ساحلي يمتد 15 كيلومتراً ومُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، والذي يوفر سجلاً جيولوجياً دقيقاً للانتقال بين العصر الطباشيري والعصر الباليوجيني.
ما الذي حير العلماء حول الأمونيتات؟
اكتشف الفريق البحثي أحافير أمونيتات فوق خط الانقراض مباشرة، أي في طبقات يُفترض أنها تشكلت بعد الكارثة. هذا الاكتشاف أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الكائنات عاشت فعلاً بعد الانقراض، أم أن الأحافير القديمة جرفتها المياه من طبقات أقدم ثم أُعيد ترسيبها لاحقاً، وهي ظاهرة تُعرف باسم “الأحافير الزومبي”.
تحليل دقيق لتحديد أصل الأحافير
للتفريق بين السيناريوهين، استخدم الباحثون تقنية تحليل “الميكروفاسيس”، وهي فحص دقيق للرواسب تحت مجاهر قوية جداً. فحصوا الطين الموجود داخل قواقع الأمونيتات وقارنوه بالصخور المحيطة به. وكانت النتائج حاسمة، حيث أظهر الطين داخل القواقع وجود “إبر إسفنجية دقيقة”، وهي سمة مميزة لصخور العصر التالي للانقراض (العصر الدانياني).
في المقابل، يكاد يخلو الطين من كائنات دقيقة تُسمى “البريوزوا”، والتي كانت شائعة قبل الانقراض ونادرة بعده. هذا يشير إلى أن القواقع امتلأت بالرواسب بعد الانقراض، مما يؤكد أن الأمونيتات كانت حية وتسبح في البحار الجديدة التي تشكلت بعد الكارثة. هذا الاكتشاف يقدم دليلاً قوياً على أن بعض الأمونيتات نجت من تأثير الكويكب.
ماذا تعني هذه النتيجة علمياً؟
هذه النتائج تعني أن اصطدام الكويكب لم يقضِ فوراً على الأمونيتات، بل نجا بعضها وعاش في عالم ما بعد الانقراض، ولو لفترة قصيرة. تتفق هذه النتيجة مع دراسات سابقة اقترحت أن بعض مجموعات الأمونيتات استمرت حتى 68 ألف سنة بعد اصطدام الكويكب. هذا يشير إلى أن الانقراض الجماعي كان عملية أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.
ومع ذلك، يظل السؤال الأهم: ما الذي أدى في النهاية إلى انقراض الأمونيتات الكامل؟ هل كان ذلك بسبب تغير طويل الأمد في كيمياء المحيطات، أو نقص الغذاء وانهيار السلاسل الغذائية، أم منافسة مع كائنات أخرى أكثر قدرة على التكيف؟ هذه الأسئلة تتطلب المزيد من البحث والدراسة.
تُظهر هذه الدراسة أهمية تحليل المواقع الجيولوجية الدقيقة لفهم الأحداث الكارثية في تاريخ الأرض. كما تسلط الضوء على مرونة الحياة وقدرتها على التكيف حتى في ظل الظروف القاسية. من المتوقع أن تركز الأبحاث المستقبلية على دراسة التغيرات البيئية التي حدثت بعد الانقراض، وكيف أثرت على بقاء الأنواع المختلفة، بما في ذلك الأمونيتات. سيساعد ذلك العلماء على فهم أفضل لكيفية استجابة الحياة على الأرض للكوارث المستقبلية، مثل التغير المناخي والتلوث البيئي.













