كشفت دراسة حديثة أن المحيطات شهدت ارتفاعاً قياسياً في درجات الحرارة خلال عام 2025، مسجلةً أعلى مستويات حرارة منذ بدء الرصد الحديث. ويأتي هذا الارتفاع في حرارة المحيطات كدليل قاطع على تسارع وتيرة تغير المناخ العالمي واستمرار تراكم الحرارة في الأنظمة المناخية للكوكب. وتؤكد الدراسة على أهمية مراقبة هذه التغيرات لفهم تأثيراتها المحتملة على البيئة والاقتصاد.
ووفقاً للتقرير الذي نشرته مجلة “أدفانسز إن أتموسفيرك ساينسز” في التاسع من يناير/كانون الثاني، امتصت المحيطات كمية هائلة من الطاقة الحرارية خلال عام 2025، تقدر بنحو 23 زيتا جول. هذه الكمية تعادل الطاقة الأولية التي يستهلكها العالم بأكمله على مدى 37 عاماً تقريباً، مما يبرز حجم الخلل المتزايد في التوازن المناخي للأرض.
أهمية مراقبة حرارة المحيطات
تعتبر المحيطات منظومة حيوية تلعب دوراً محورياً في تنظيم مناخ الأرض، حيث تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن انبعاثات الغازات الدفيئة. بدون هذه القدرة على الامتصاص، لكانت درجات الحرارة على اليابسة أعلى بكثير، مما كان سيؤدي إلى عواقب وخيمة على الحياة البشرية.
لذلك، يعتمد العلماء على قياسات محتوى حرارة المحيطات باعتبارها مؤشراً دقيقاً وموثوقاً لتغير المناخ على المدى الطويل. على عكس حرارة الهواء التي تشهد تقلبات موسمية وسنوية، فإن حرارة المحيطات تعكس تراكمًا مستمرًا للحرارة على مدى عقود، مما يجعلها سجلاً تاريخياً قيماً لحالة الكوكب. أشار الدكتور لينج شينج، المؤلف المشارك في الدراسة وأستاذ علوم المناخ والغلاف الجوي في الأكاديمية الصينية للعلوم، إلى هذا الجانب الهام.
مصادر البيانات والمنهجية
اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على بيانات مستقلة تم جمعها من مراكز رصد موزعة في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. تضمنت هذه البيانات قياسات مباشرة لدرجات حرارة المحيطات، بالإضافة إلى نماذج تحليلية متقدمة لتقييم التغيرات في محتوى الحرارة. وقد أجمعت جميع المصادر والتحليلات على النتيجة نفسها: عام 2025 كان الأشد حرارة للمحيطات على الإطلاق.
وتشير التحليلات إلى أن وتيرة تسخين المحيطات قد تسارعت بشكل ملحوظ منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصةً في الطبقات العليا التي تصل إلى عمق 2000 متر. هذه المناطق هي الأكثر تفاعلاً مع الغلاف الجوي، مما يجعلها نقطة مراقبة حاسمة للتغيرات المناخية.
تأثيرات ارتفاع حرارة المحيطات
لم يقتصر تأثير ارتفاع حرارة المحيطات على درجات الحرارة فحسب، بل امتد ليشمل جوانب أخرى من النظام المناخي. فقد سجل متوسط حرارة سطح المحيطات في عام 2025 ثالث أعلى قيمة له على الإطلاق، وبقي أعلى بنحو 0.5 درجة مئوية من متوسط الفترة المرجعية بين عامي 1981 و2010. على الرغم من أن هذا الارتفاع كان أقل قليلاً من عامي 2023 و2024 بسبب تأثير ظاهرة اللانينيا، إلا أنه لا يزال يمثل مستوى حرارة مقلقاً.
ويرتبط ارتفاع حرارة المحيطات بزيادة معدلات التبخر، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الرطوبة في الغلاف الجوي. هذا بدوره يزيد من احتمالية حدوث أمطار غزيرة وعواصف قوية وموجات طقس متطرفة. وقد شهد عام 2025 بالفعل سلسلة من الظواهر الجوية القاسية، بما في ذلك الفيضانات في جنوب شرق آسيا والجفاف في الشرق الأوسط.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع حرارة المحيطات يساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر، مما يهدد المدن الساحلية والجزر المنخفضة. كما يؤثر على النظم البيئية البحرية، مما يهدد التنوع البيولوجي ومصادر الغذاء التي يعتمد عليها ملايين البشر. تعتبر هذه التغيرات بمثابة ناقوس خطر يحذر من العواقب الوخيمة لتغير المناخ على كوكبنا.
وتشير التوقعات إلى أن المحيطات ستستمر في امتصاص الحرارة الزائدة طالما استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأرقام القياسية في درجات حرارة المحيطات، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة والتكيف مع التغيرات المناخية الحتمية. ستركز الأبحاث المستقبلية على فهم أفضل لآليات تسخين المحيطات وتأثيراتها على النظم البيئية والاقتصادية، بالإضافة إلى تطوير استراتيجيات فعالة للتخفيف من هذه التأثيرات.













