تجمع آلاف المتظاهرين في نوك، عاصمة غرينلاند، يوم السبت للتعبير عن رفضهم القاطع لخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المحتملة لضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة. وقد أثارت هذه الخطط جدلاً واسعاً وتوترات دبلوماسية، حيث أكد المتظاهرون على حق شعب غرينلاند في تقرير المصير والحفاظ على استقلاليته. وتأتي هذه الاحتجاجات في أعقاب مناقشات علنية حول إمكانية شراء الولايات المتحدة لغرينلاند.
وقد شهدت مدينة نوك مسيرة حاشدة، حيث حمل المتظاهرون أعلام غرينلاند ولافتات تطالب بالسيادة والاستقلال. وانتهت المسيرة بتجمع أمام القنصلية الأمريكية، حيث رددوا هتافات منددة بالتدخل الأمريكي ومؤكدين على أن غرينلاند ليست للبيع. وتعد هذه الاحتجاجات تعبيراً قوياً عن الهوية الوطنية المتنامية في الجزيرة.
احتجاجات واسعة النطاق ضد ضم غرينلاند
لم تكن الاحتجاجات مقتصرة على نوك، بل امتدت إلى مدن وبلدات أخرى في جميع أنحاء غرينلاند، مما يعكس رفضاً شعبياً واسع النطاق لضم الجزيرة. وقد شارك في الاحتجاجات مواطنون من مختلف الأعمار والخلفيات، مما يدل على وحدة الشعب الغرينلاندي في الدفاع عن مصالحه. وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من سكان غرينلاند قد أعربوا عن معارضتهم لبيع الجزيرة.
ردود الفعل المحلية والدولية
أعربت وزيرة الموارد الطبيعية في غرينلاند، نايا ناثانيِلسن، عن رفضها القاطع لخطط الرئيس ترامب، مؤكدة أن غرينلاند تسعى إلى التطور “وفق شروطها الخاصة”. وأضافت أن الجزيرة ليست مهتمة بالانضمام إلى الولايات المتحدة، وأنها تفضل الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الدنمارك.
بالإضافة إلى ذلك، أعربت الحكومة الدنماركية عن رفضها القاطع لأي محاولة لضم غرينلاند، مؤكدة أن الجزيرة جزء لا يتجزأ من المملكة الدنماركية. ووصفت الخارجية الدنماركية فكرة شراء الولايات المتحدة لغرينلاند بأنها “غير جادة” و”غير واقعية”.
على الصعيد الدولي، أثارت خطط الرئيس ترامب انتقادات واسعة النطاق من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية. واعتبر البعض هذه الخطط بمثابة تدخل سافر في الشؤون الداخلية لغرينلاند والدنمارك، وانتهاكاً لمبادئ القانون الدولي. كما أثيرت تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الخطط، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بالموارد الطبيعية في المنطقة.
الأسباب الكامنة وراء الاهتمام الأمريكي
يعود اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند إلى عدة عوامل، بما في ذلك الموقع الاستراتيجي للجزيرة في منطقة القطب الشمالي، والوصول إلى الموارد الطبيعية الهائلة الموجودة فيها، مثل النفط والغاز والمعادن النادرة. كما أن التغير المناخي وذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتحان طرقاً ملاحية جديدة، مما يزيد من الأهمية الاستراتيجية للمنطقة.
وتشير التقارير إلى أن الرئيس ترامب قد أبدى اهتمامه بشراء غرينلاند خلال اجتماعات خاصة مع مستشاريه، مستفسراً عن إمكانية ذلك. وقد أثار هذا الأمر دهشة العديد من المسؤولين الأمريكيين والدنماركيين، الذين اعتبروه فكرة غير عملية وغير قابلة للتطبيق.
وتعتبر غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 56 ألف نسمة. وتتمتع الجزيرة بحكم ذاتي واسع النطاق، حيث تتولى حكومة محلية مسؤولية إدارة العديد من الشؤون الداخلية، مثل التعليم والصحة والاجتماع. ومع ذلك، لا تزال الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع والمالية.
تاريخياً، كانت غرينلاند مستعمرة دنماركية، ولكنها حصلت على حكم ذاتي تدريجي بدءاً من عام 1979. وفي عام 2009، حصلت غرينلاند على مزيد من الاستقلالية، بما في ذلك السيطرة على مواردها الطبيعية. وتسعى غرينلاند حالياً إلى تحقيق الاستقلال الكامل عن الدنمارك، ولكن هذا الأمر يتطلب موافقة الدنمارك وإجراء استفتاء شعبي في الجزيرة.
الوضع الجيوسياسي في القطب الشمالي يشهد تحولات كبيرة في السنوات الأخيرة، مع تزايد الاهتمام بالمنطقة من قبل العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين. وتتنافس هذه الدول على النفوذ في المنطقة والوصول إلى مواردها الطبيعية.
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول مستقبل غرينلاند وعلاقاتها مع الدنمارك والولايات المتحدة في الأشهر المقبلة. ولم يصدر أي بيان رسمي من الإدارة الأمريكية يشير إلى أنها ستتراجع عن خططها المحتملة لضم الجزيرة. ومع ذلك، فإن الرفض الشعبي والدبلوماسي القوي قد يجعل من الصعب على الولايات المتحدة المضي قدماً في هذه الخطط.
ما يجب مراقبته في المستقبل القريب هو رد فعل الإدارة الأمريكية على الاحتجاجات الواسعة النطاق، وما إذا كانت ستتخذ أي خطوات ملموسة نحو التفاوض مع الدنمارك حول مستقبل غرينلاند. كما يجب متابعة التطورات في الوضع الجيوسياسي في القطب الشمالي، وتأثيرها على مستقبل الجزيرة.
الاستقلالية الكاملة لغرينلاند، والاعتماد على الذات الاقتصادي، والتعامل مع التحديات البيئية الناتجة عن التغير المناخي، هي قضايا رئيسية ستشكل مستقبل الجزيرة.













